حين تصبح الخدمات رفاهية.. كيف تحولت الحياة في الخرطوم إلى معركة يومية؟

تيسير المبارك

لم تعد معاناة المواطن في الخرطوم مرتبطة فقط بالحرب وآثارها المباشرة، بل أصبحت الحياة اليومية نفسها عبئاً ثقيلاً يرهق الناس في تفاصيلهم الصغيرة قبل الكبيرة. الكهرباء تنقطع لساعات طويلة، المياه تغيب عن الأحياء بشكل متكرر، أسعار السلع ترتفع بلا توقف، ووسائل المواصلات باتت تستنزف ما تبقى من دخول الأسر المنهكة أصلاً. في مدينة كانت تُعرف يوماً بالحيوية والحركة، أصبح السؤال اليومي للسكان: كيف يمكن النجاة حتى نهاية الشهر؟
الأوضاع الخدمية في الخرطوم تكشف حجم التدهور الذي أصاب مؤسسات الدولة خلال السنوات الأخيرة، ثم جاءت الحرب لتضاعف الأزمة وتدفع قطاعات واسعة من السكان إلى حافة العجز الكامل. كثير من الأسر أصبحت تعتمد على شراء المياه من العربات أو تخزينها خوفاً من الانقطاع المفاجئ، بينما تحولت الكهرباء إلى خدمة غير مستقرة تؤثر على المستشفيات والمخابز والمتاجر وحتى المنازل البسيطة التي تكافح لتأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
أما الأسواق، فقد أصبحت شاهداً يومياً على الانهيار الاقتصادي. الأسعار تتغير بصورة متسارعة، والقدرة الشرائية للمواطن تتراجع بشكل مخيف، في وقت لم تعد فيه الرواتب أو مصادر الدخل قادرة على ملاحقة موجة الغلاء. الموظف الذي كان يستطيع بالكاد تسيير أموره قبل سنوات، بات اليوم عاجزاً عن توفير الاحتياجات الأساسية لأسرته. حتى السلع الضرورية أصبحت بالنسبة لكثيرين أقرب إلى الكماليات.
المقلق في الأمر أن المواطنين يشعرون بأنهم تُركوا وحدهم في مواجهة هذه الأزمات دون حلول حقيقية أو خطط واضحة لتحسين الواقع. فلا توجد معالجات جادة لأزمة الكهرباء، ولا رؤية اقتصادية تحد من انفلات الأسعار، ولا تدخلات فعالة لحماية الفئات الأكثر ضعفاً من آثار الانهيار المعيشي. ومع كل يوم يمر، تتزايد مشاعر الإحباط والخوف من مستقبل يبدو أكثر قسوة وتعقيداً.
الخرطوم اليوم ليست فقط مدينة متعبة، بل مدينة تنهك سكانها نفسياً واقتصادياً. فحين تتحول أبسط الحقوق، كالماء والكهرباء والعلاج والغذاء، إلى معركة يومية، يصبح الحديث عن الاستقرار أو العودة إلى الحياة الطبيعية أمراً بعيد المنال. وما لم تتحرك الجهات المسؤولة بصورة عاجلة لمعالجة هذا التدهور، فإن العاصمة قد تتحول تدريجياً إلى بيئة طاردة للحياة نفسها، لا بسبب الحرب وحدها، بل بسبب غياب الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.