(الإخوان).. هل يعترفون بفشلهم السياسي والاقتصادي؟

نورا عثمان

في كل التجارب السياسية التي مرت بها الشعوب، يُعد الاعتراف بالأخطاء الخطوة الأولى نحو التصحيح واستعادة الثقة. غير أن المشهد السوداني يطرح سؤالاً مشروعاً ومُلحاً: هل باتت جماعة الإخوان المسلمين في السودان مستعدة للاعتراف بفشل مشروعها السياسي والاقتصادي الذي ارتبط بعقود من الحكم والنفوذ، أم أنها ما تزال تفضل الهروب إلى الأمام وإلقاء المسؤولية على الآخرين؟
لقد حكم التيار الإسلامي السودان لسنوات طويلة، امتلك خلالها السلطة التنفيذية والتشريعية والأمنية والاقتصادية، ورفع شعارات النهضة والإصلاح والتمكين. لكن المحصلة النهائية كانت دولة مثقلة بالأزمات، واقتصاداً منهكاً، ومؤسسات ضعيفة، وحروباً ونزاعات استنزفت موارد البلاد وأعاقت فرص التنمية والاستقرار. ومع سقوط نظام عمر البشير في عام 2019، كان من المتوقع أن تبدأ مراجعات فكرية وسياسية عميقة داخل هذا التيار، وأن يصدر تقييم صريح للتجربة، إلا أن ذلك لم يحدث بالصورة التي انتظرها السودانيون.
فبدلاً من الاعتراف بالأخطاء التي قادت إلى العزلة الدولية والانهيار الاقتصادي وتفشي الفساد والمحسوبية، ظل الخطاب السائد لدى كثير من رموز الحركة الإسلامية يركز على تبرير الماضي أو تحميل المسؤولية لقوى سياسية أخرى. هذا النهج لا يساعد على بناء مستقبل جديد، لأن الأمم لا تتقدم عبر إنكار الوقائع أو تجاهل الدروس المستفادة من التجارب الفاشلة.
اقتصادياً، لا يمكن تجاوز حقيقة أن السودان خرج من سنوات الحكم الإسلامي وهو يواجه أزمات حادة في العملة الوطنية، وارتفاعاً متواصلاً في معدلات الفقر والبطالة، وتراجعاً في الخدمات الأساسية. كما أن سياسات التمكين الحزبي التي تم تطبيقها لسنوات أضعفت مؤسسات الدولة وأثرت على كفاءتها واستقلاليتها. وحتى اليوم، ما تزال آثار تلك السياسات حاضرة في مختلف القطاعات، الأمر الذي يجعل الحديث عن الإصلاح الاقتصادي دون مراجعة شاملة للماضي أمراً يفتقر إلى المصداقية.
أما سياسياً، فقد ساهمت سياسات الإقصاء والاستقطاب في تعميق الانقسامات داخل المجتمع السوداني، وأضعفت فرص التوافق الوطني. وعندما اندلعت الأزمات المتلاحقة التي شهدتها البلاد، لم تظهر حتى الآن مراجعات حقيقية تعترف بحجم الأخطاء التي ارتُكبت أو تقدم رؤية مختلفة تتناسب مع تطلعات السودانيين إلى دولة مدنية ديمقراطية قائمة على المواطنة وسيادة القانون.
اليوم، وبينما يعيش السودان واحدة من أصعب مراحله التاريخية، يحتاج الرأي العام إلى مواقف واضحة لا تحتمل التأويل. فالمراجعة الجادة لا تعني جلد الذات، وإنما تمثل مسؤولية أخلاقية وسياسية تجاه شعب دفع ثمناً باهظاً من أمنه واستقراره ومستقبله. أما استمرار الإنكار والمراهنة على إعادة إنتاج الخطاب القديم فلن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وإطالة أمد المعاناة.
يبقى السؤال قائماً: هل تمتلك جماعة الإخوان المسلمين في السودان الشجاعة السياسية للاعتراف بفشل تجربتها وتقديم نقد ذاتي حقيقي؟ أم أنها ستواصل التمسك بروايات تجاوزها الواقع؟ الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل الجماعة وحدها، بل ستؤثر أيضاً في مسار النقاش الوطني حول كيفية بناء سودان جديد يتعلم من أخطاء الماضي ولا يكررها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.