العار عليكم أيها النظام القائم بحكم الأمر الواقع (4)

د.محجوب سليم

في مقالي السابق، قلتُ إن مثل هذه الحادثة المروعة لا يمكن أن تمر دون تبعات في أي دولة ديمقراطية متحضرة. ففي مثل هذه الدول، يبادر رئيس الوزراء فورًا إلى تقديم استقالته، كما تُحاسَب الحكومة بأكملها أمام الشعب. لكن، ويا للأسف، يظل السودان استثناءً.

ففي إحدى الدول الأوروبية، استقالت وزيرة التجارة بمجرد العثور على بيضة فاسدة في الأسواق، إذ رأت أن من مسؤوليتها الأخلاقية التنحي. ويُروى أيضًا أن الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز قال: «لو عثرت بغلة في الطريق، لسألني الله عنها: لِمَ لَمْ تُمَهِّد لها الطريق؟».

أما في السودان، فقد لقي آلاف المواطنين مصرعهم بسبب رداءة الطرق، ولم يُحاسَب مسؤول واحد. كما قُتل آلاف آخرون في جنوب السودان، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، ودارفور على أيدي القوات المسلحة والأجهزة الأمنية التابعة للحكومة، ومع ذلك لم يمثل أي شخص أمام العدالة.

ويُقال إن الإنسان قد يضطر أحيانًا إلى خفض رأسه وانتظار مرور العاصفة. وبعد موجة الانتقادات الحادة التي وجَّهها الكُتّاب والمثقفون السودانيون، توجَّه رئيس مجلس السيادة، بحكم الأمر الواقع، بطائرة مروحية إلى موقع الحادث، حيث أجرى زيارة خاطفة للمصابين والمتضررين من القصف الجوي العسكري الذي شنَّه النظام المصري.

لكن، بدلًا من مواساة الضحايا وتقديم التعازي لهم، ألقى خطابًا مقتضبًا وقصير النظر، لم يسبق أن صدر مثله عن أي رئيس في العالم، حمَّل فيه المواطنين أنفسهم المسؤولية، محذرًا إياهم من عبور الحدود إلى الأراضي المصرية. وستظل دعوات المظلومين ولعناتهم تلاحقكم إلى يوم القيامة، فقد ألحقتم بأنفسكم عارًا لن يُمحى.

لقد قلنا مرارًا إن السودان، هذا البلد المنكوب، ابتُلي منذ استقلاله عام 1956 بأسوأ القيادات السياسية وأكثرها فسادًا؛ قيادات تفتقر إلى الوطنية والنزاهة والإخلاص والالتزام.

ويعتقد النظام المصري اعتقادًا راسخًا أن السودان يمثل حديقته الخلفية، ورئتَه، وعمقه الاستراتيجي في الجنوب؛ ولذلك لا يقبل بحدوث أي تغيير في السودان دون موافقته أو رضاه. أما الحديث عن العلاقات الأخوية والمصالح المشتركة بين البلدين، فليس سوى شعارات للاستهلاك الإعلامي، بينما الحقيقة أن العلاقة بين مصر والسودان هي علاقة رابح وخاسر، وليست علاقة رابح ورابح.

ولن يختل هذا الميزان المختل إلا بزوال عقدة النقص لدى القيادات السودانية، وانهيار شعور التفوق لدى القيادة المصرية. ولن يتحقق ذلك إلا عندما تدرك المؤسسة العسكرية السودانية أن مكانها الطبيعي هو الثكنات، لا القصور، وأن تتولى قيادة البلاد سلطة مدنية ديمقراطية وطنية.

ويُقال إن القطة التي تحلم بأن تصبح أسدًا، عليها أولًا أن تتوقف عن مطاردة الفئران. وعلى قادتنا السياسيين أن يكفوا عن صراعاتهم الصغيرة، وأن يتوقفوا عن شيطنة بعضهم بعضًا، وتبادل الاتهامات والتخوين.

فمصر لن تسمح لكم بالاستقرار، وستواصل تغذية الخلافات والصراعات بين القوى السياسية السودانية، لأن مصالحها تُصان عبر استمرار الانقسام. إن قيام نظام مدني ديمقراطي في السودان لا يخدم المصالح الجيوسياسية والاقتصادية لمصر؛ ولذلك فإن الحكومة المصرية تُفضِّل استمرار الحكم العسكري في الخرطوم.

أما إغلاق الطريق الشمالي وإقامة المتاريس، فلن يغيِّر شيئًا في المشهد السياسي. فالنظام العسكري القائم بحكم الأمر الواقع، بالتنسيق مع النظام المصري، سيعمل على إزالة تلك المتاريس بالقوة، لأن استمرارها يضر بمصالحهما العسكرية والاقتصادية والسياسية المشتركة.

وما حدث لعمال التعدين في الشمال يمكن أن يتكرر مع لجان المقاومة هناك. وليس سرًا أن عمليات تهريب الذهب تجري على نطاق واسع، وأن النظامين العسكريين في السودان ومصر متورطان فيها بصورة مباشرة. ومثل هذه العمليات المنظمة والمحكمة لا يمكن إيقافها بمجرد إغلاق الطرق أو نصب المتاريس، بل إن إزالة الحكم العسكري تظل الخيار الوحيد والحل الجذري.

وفي الختام، أرى أن أكثر من سبعين عامًا من المعاناة والفقر والحرمان قد أكسبت الشعب السوداني قدرًا هائلًا من الصبر والقدرة على التحمُّل، يؤهله لتجاوز أي محنة.

وأؤمن بأن هذه الحرب العبثية ستكون آخر حروب السودان، وأن السلام القادم سيكون أكثر سلامٍ عدلًا واستدامةً في تاريخ البلاد. لقد بعثت هذه الحرب برسالة واضحة إلى جميع السودانيين، مفادها أن الحرب كارثة لا يجني منها أحد سوى الدمار.

وأعتقد أن السودان لن يعود كما كان. فالأحزاب التقليدية ستُعاد هيكلتها، وستتغير قواعدها الاجتماعية والسياسية، ولن تعود إلى سابق عهدها. كما ستختفي أحزاب سياسية هشة، وستظهر، في المقابل، قوى سياسية أكبر وأكثر تأثيرًا.

وأؤمن أيضًا بأن الرئيس الحالي لمجلس السيادة سيكون آخر من يحكم السودان بزيه العسكري، وأن الحزب الإسلامي الذي جرى تفكيكه لن يعود إلى السلطة مرة أخرى، وأن الدولة المدنية والعلمانية ستفرض نفسها باعتبارها الخيار السياسي الجديد.

كما أؤمن بأن خطاب الكراهية، وكل القوانين التي كرَّست التمييز والإقصاء، ستصبح جزءًا من الماضي، وأن هذه الحرب القاسية قد وسَّعت مدارك السودانيين، ورسَّخت لديهم قناعة بأن التعايش السلمي، والتسامح، وقبول الآخر، هي الأساس الحقيقي لأي نهضة وتقدم.

حفظ الله وطني… السودان.

كمبالا – أوغندا

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.