تكمن خطورة القرار في أن حظر الطيران هو عقوبة إلزامية يفرضها “CBW Act” ليس على الدول التي ترفض الهدنة، بل على تلك التي تستخدم الأسلحة الكيميائية.
طيف أول
وصدق نيتشه عندما قال: في بعض الأحيان لا يرغب الناس في سماع الحقيقة لأنهم لا يريدون أن تتحطم أوهامهم!
وكنا تحدثنا عن أنه يجب قبول الهدنة من طرفي الصراع، عندما قال مسعد بولس إنه سيطرحها الجمعة ، كنا نظن أن قيادة الجيش تدرك ما هو الفرق بين هدنة مطروحة عبر مسار سياسي وهدنة مطروحة عبر مجلس الأمن.
ورفض الهدنة كشف ضعف الدبلوماسية التي تمثل الحكومة الانقلابية هناك، لأنها لم تُحط قيادة الجيش بخطورة هذا الانتقال الذي تحركت به أمريكا من براحات وفضاءات المنابر السياسية المريحة إلى مظلة مجلس الأمن المزعجة.
وحذرنا أن البرهان يفتح بالرفض باباً لا يعرف عواقبه. فبالأمس واصلت أمريكا عقوباتها، وأعلنت عن قرار جديد حظرت فيه تشغيل شركات الطيران السودانية المملوكة للدولة داخل أراضيها. ويأتي القرار في إطار حزمة ثانية من العقوبات الاقتصادية فرضتها أميركا على السودان بموجب قانون مراقبة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والقضاء على الحروب الكيميائية والبيولوجية “CBW Act”.
وتشمل العقوبات معارضة تقديم القروض أو المساعدات المالية أو الفنية للسودان من قبل المؤسسات المالية الدولية، وفرض قيود إضافية على الصادرات عبر وزارة التجارة الأميركية.
وقالت واشنطن إن هذه الإجراءات تأتي ضمن مساعيها للضغط من أجل إنهاء الحرب في السودان، داعيةً أطراف النزاع إلى الالتزام بهدنة إنسانية ووقف جميع أشكال الدعم.
وقد يخرج كوز “منظراتي” ليتحدث لك عن أن السودان يملك طائرة واحدة تتبع للدولة، وأن القرار غير مؤثر. ولكن هل تكمن خطورة القرار في عدد الطائرات وتحليقها بالطبع لا!
خطورته تكمن في أن حظر الطيران هو عقوبة إلزامية يفرضها “CBW Act” أي (قانون مراقبة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والقضاء على الحروب الكيميائية والبيولوجية)، على أي دولة تتهمها واشنطن بعدم التعاون في ملف الأسلحة الكيميائية. والهدف الأساسي منه ليس إجبار الدولة على تغيير سلوكها والضغط عليها لقبول هدنة أو وقف إطلاق النار وحسب،
فقد لا تستجيب الدولة (أم طيارة واحدة)، وهذه ليست القضية، لأن الخطوة جاءت كمرحلة لتسبق ما قبلها كعقوبات في تكر بمراحل تسلسل أي إن أمريكا تفرضها لتتقدم بها إلى المرحلة الثالثة. !
مع العلم أن هذه العقوبات التدريجية لا تُفرض على الدول التي ترفض الهدنة، وإنما على الدول التي تستخدم السلاح الكيماوي، وهنا يكمن الفرق، لأن فرض العقاب على جريمة لايتوقف وهو أشد خطراً من العقوبات السياسية.
وفي هذه الحالة تبدأ الولايات المتحدة الأمريكية بالدعوة للهدنة، وبعد الرفض يأتي قرار بحظر الطيران أو تقييده، ثم تنتقل إلى عقوبات أوسع على الاقتصاد، وتضغط سياسياً، ثم تعزل الدولة دولياً لتتحرك بعدها.
ففي سوريا مثلاً، اتُّهمت الحكومة باستخدام السلاح الكيماوي، فلحقتها أمريكا بدعوات متكررة للهدنة، ثم أصدرت قراراً بحظر الطيران السوري داخل أراضيها، وقيّدت تعامل الطيران السوري مع الشركات الأميركية، ثم فرضت عقوبات على مصرف سوريا المركزي، وعقوبات على شركات النفط والغاز، وماذا بعد؟ استهدفت قيادات عسكرية وسياسية، ودعمت تحركات في مجلس الأمن ضد الحكومة.
فالنتيجة التي تريد أن تصل إليها أمريكا هي عزلة اقتصادية كاملة، وأي عزلة اقتصادية تبدأ بانهيار قطاع الطيران فإن وجدته منهار فهذا يسهل لها سرعة القرار التالي
وكذلك في إيران في فترة التسعينات، تم حظر الطيران، ثم فُرضت عقوبات على النفط، ومن ثم عقوبات على شركات حكومية، وبعدها استُهدفت قيادات عسكرية وسياسية. فالخلاصة: ماذا تفعل واشنطن عادة بعد حظر الطيران؟
تنتقل إلى ضرب القطاعات الاقتصادية الكبرى، وبعدها تستهدف الشخصيات العسكرية والسياسية بالملاحقات والاتهامات الخطيرة. إذن القرار هو عتبة نص جديد
وكما يتابع القارئ، فإنه بعد إعلان بولس أمام مجلس الأمن رفض البرهان للهدنة، أصدرت وزارة الخارجية السودانية بياناً قالت فيه إنها تريد التعاون وتسعى لوقف الحرب. ولكن واشنطن ردّت مباشرة بحظر الطيران الحكومي. هذا التتابع الزمني المتسارع يكشف أن الحكومة الأمريكية أرادت أن تقول: انتهى الوقت، وأن الهدنة ليست للتفاوض بل للتنفيذ، وأن بيان الحكومة لا يغيّر الوقائع على الأرض. ولذلك استخدمت العقوبة الأقوى في المرحلة الثانية من قانون CBW Act: حظر الطيران الحكومي.
فما تريده أمريكا الآن هو أن يقبل الجيش الهدنة، وأن أي تراجع لفظي لا يكفي؛ فالمطلوب تغيير عملي على الأرض، وإلا سيتحرك المجتمع الدولي ليكمل مراحل العقوبات إلى ان يصل غايته.
طيف أخير:
#لا_للحرب
شاركت الوزيرة بالحكومة الانقلابية سليمى إسحاق، مع سفارة السودان في كينيا، في ندوة حول جهود حكومة السودان في حماية المدنيين من آثار الحرب التي تشنها الدعم السريع.
وسليمى كانت تطرح فكرتها في بورتسودان؛ فالحروب دائماً تكون بين طرفين، والمدنيون لقوا حظهم من القتل بسلاح الدعم السريع وسلاح البرهان قائد الحكومة التي تنتمي إليها سليمى.
وطالما أن الحل في الحسم العسكري، (ما ماشين كينيا لشنو)!!
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.