يبدو أن سلطة بورتسودان قد قنعت من خير الدكتور كامل إدريس، رئيس وزرائها، الذي جاءت به مفاخرة ومبشرة بالكادر الأممي (المعادل)، حسب حساباتهم، لرئيس الوزراء الشرعي المنقلب عليه الدكتور عبد الله حمدوك.
فحمدوك قد خلق عقدة لدى العسكر بمؤهلاته الكبيرة ومقامه العالي، ولخبرته الطويلة في إرساء دعائم النهضة الشرق أفريقية بحكم وظيفته الأممية. فصار العسكر مهووسين بالبحث عن شخص بمواصفات عبد الله حمدوك، وصارت هذه الكاريزما مصدر قلق وتحدٍ لهم، خاصة أنهم يفتقرون إلى الشرعية والقبول الدولي.
وفي كل مرة يطالبهم المجتمع الدولي بضرورة الانتقال للحكم المدني ونزع البزة العسكرية، تجدهم يلعنون ثورة ديسمبر التي وضعت علامة فارقة وقرارًا حتميًا بوجوب الحكم المدني وإنهاء دورة حياة حكم العسكر.
لقد عانى عسكر بورتسودان كثيرًا في إيجاد شخص يحلل لهم عقدة حمدوك، الموظف الأممي الذي أتعب الذين جاءوا من بعده ممن يطمحون في شغل هذا المقعد.
وكامل إدريس لم يكن بذلك القدر الذي يمكن مقارنته بحمدوك، لكن مؤيدي العسكر قد نفخوا بالونته حتى تضخمت وتضخم هو، ثم جاؤوا به إرضاءً للقاعدة الجماهيرية المؤيدة للحرب والمساندة للعسكر، والمسماة اصطلاحًا بـ(البلابسة).
فإدريس لا يشغل بال السودانيين الذين يرون في حمدوك الرجل المناسب في المكان المناسب، لذلك فإن ذهابه من عدمه واحد بالنسبة لهم.
مؤيدو حمدوك همهم إيقاف الحرب التي أيدها كامل إدريس، وعمل خفيرًا لمعسكرها، وماسحًا لأدران قادتها، ومدافعًا عنهم في المحافل الدولية.
لذلك تلحظ البون الشاسع بين الجمهورين: جمهور البلابسة ومؤيدو حمدوك. فالبلابسة جُبلوا على عشق الحذاء الذي يرتديه العسكر، وعقليتهم عقيمة لا تقبل الحقيقة. وهي عقلية بشيرية وبرهانية صرفة، لا تدين بالولاء إلا للقوة العسكرية القاهرة، بصرف النظر عن فساد هذه القوة أو تجاوزها لحدود الإنسانية.
فغاية البلابسة هي العيش تحت سقف دولة عسكرية صرفة، لأنهم لقنوا هذا الفهم العقيم والمتخلف. فهم يرون الوضع الصحيح في وجود أمثال كامل إدريس تحت إمرة العسكر، وليس العكس.
لذلك تدمي القلب نبرات صوتهم وهم يهتفون لإدريس وهو يتجول بين أكوام رماد غابة السنط التي حرقها الطيران المصري.
وحتى بعد ذهاب كامل سيبحثون عن تيس مستعار آخر ليحلل لهم سلطة العسكر التي انقلبت على الشرعية أكثر من مرة.
فتيار البلابسة ليس تيارًا شعبيًا وحسب، بل هو حراك يقوده دكاترة من أمثال أيمن فريد، ومحمد جلال هاشم، وعبد الله علي إبراهيم، الذين يصبغون الحراك المعادي للديمقراطية والحكم المدني بشيء من التدليس المختبئ وراء الألقاب الأكاديمية، خدعةً واستغلالًا لأنماط التفكير السطحي لهؤلاء البلابسة.
وسوف تبحث سلطة بورتسودان عن محلل آخر يحمل نفس المؤهلات الإدريسية.
الملاحظ أن الملتحقين بسلطة بورتسودان تغلب عليهم النزعة الانتهازية وخصيصة أكل أموال الدولة بالباطل.
فلو قيست نسبة فساد هذه السلطة منذ اندلاع الحرب، لفاقت كل نسب الفساد التي لازمت الحكومات السودانية منذ عام 1956.
ولو صحت الرواية التي تقول إن رئيس وزراء بورتسودان قد سافر إلى لندن وبحوزته مبالغ مالية، فهذا يؤكد ويعضد حدوث هذا الفساد العظيم.
وفي ظل الحرب تتفاقم التجاوزات المالية، وتنحسر المراجعات والمسائلات القانونية والمحاسبية، لاستقواء الوزراء ورموز الحكم بالسلاح، وابتزاز السلطة بالسلطة.
كما هو مشاهد من السلوك الغارق في الانتهازية والقذارة والابتزاز والعدوانية الذي يمارسه وزير مالية بورتسودان.
فمسرح بورتسودان هذا يمثل نموذجًا خطيرًا لأمراء الحرب عندما يصلون إلى السلطة، ودليلًا قاطعًا على عدم جدوى الأنظمة العسكرية المحتمية بالسلاح في إدارة شأن الناس.
فكل من يريد برهانًا على عدالة قضية المدنيين المطالبين بالحكم المدني والانتقال الديمقراطي، وحرصهم على صون البلاد من الفساد والإفساد وسفك الدماء، فليتأمل هذا الواقع.
إن الفوضى وانعدام المسؤولية الأخلاقية التي امتاز بها عسكر ومدنيو بورتسودان هي الهادي لجموع السودانيين الناشدين للحرية والسلام والعدالة.
لقد خاض الناس تجربة السنوات الأربع من الدماء والأشلاء والانحطاط القيمي والأخلاقي، والحكيم من يستبين الطريق من خلال هذه التجربة المأساوية.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.