طرح رئيس مجلس السيادة في حكومة بورتسودان، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ملامح ما وصفه بالحوار الوطني، معلنًا فتح قنوات مع القوى التي ساندت الدولة خلال الحرب، بالتزامن مع مبادرة قالت السلطة إنها انطلقت من مجموعة من السودانيين.
البرهان شدد على أن حكومته ليست الجهة المنظمة للحوار، ولا تملك تحديد أجندته أو مخرجاته، في محاولة لتأكيد استقلالية المسار. لكن هذا الطرح يصطدم مباشرة بحديثه عن «حصانة مؤقتة» للمشاركين، ما يضع استقلال الحوار أمام اختبار سياسي وقانوني حقيقي.
وبحسب ما طرحه البرهان، فإن حكومة بورتسودان يمكنها وقف الإجراءات الجنائية بحق المشاركين خلال فترة الحوار، دون أن يعني ذلك إسقاط البلاغات أو حقوق أصحابها.
وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: كيف يمكن مطالبة خصوم السلطة بالمشاركة بحرية كاملة، بينما تظل الملاحقة القانونية قائمة، ولا تتجاوز الحماية الممنوحة لهم فترة الحوار؟
البرهان قال إن أقوال المشاركين ومواقفهم داخل الحوار لا ينبغي أن تُستخدم أساسًا لملاحقتهم قانونيًا، مؤكدًا ضرورة توفير مساحة للنقد والتأييد دون خوف أو تضييق.
لكن حرية الحوار لا تُختبر في السماح بالكلام فقط، وإنما في ضمان تبعاته. فالمشارك لن يشعر بالأمان لمجرد أن الإجراءات أوقفت مؤقتًا، إذا كان احتمال عودتها قائمًا بمجرد انتهاء الحوار.
كما دعا البرهان إلى أن يكون الحوار في فضاء عام مفتوح، وألا يتحول إلى عملية مغلقة. غير أن هذه الدعوة تضع السلطة نفسها أمام استحقاق أكبر: هل ستسمح فعلًا بمساحة عامة مفتوحة للنقد والمساءلة، أم أن الانفتاح سيظل محصورًا داخل الحدود التي ترسمها مؤسسات الدولة؟
أما العبارة الأكثر إثارة للجدل، فجاءت في حديث البرهان عن المضي في «استكمال تطهير السودان»، وهي عبارة سياسية شديدة الحساسية، تحتاج إلى تعريف واضح ومحدد: من المقصود بالتطهير؟ وما معاييره؟ وما حدوده القانونية والسياسية؟
فمن دون إجابات واضحة، قد تتحول العبارة من شعار مرتبط بالحرب إلى مظلة سياسية واسعة يمكن أن تُستخدم لتبرير الإقصاء أو تصنيف الخصوم.
وفي واقع الأمر، اختبار الحوار ليس في عدد المشاركين ولا في الصور الجماعية حول الطاولة، وإنما في قدرة هؤلاء على قول ما يخالف السلطة ورغبات قائد الجيش السوداني دون خوف من أن تتحول مواقفهم إلى ملفات جنائية بعد انتهاء الجلسات.
فالحوار الذي تمنح فيه سلطة بورتسودان حصانة مؤقتة للكلام، بينما تبقى الملاحقة ممكنة بعد انتهائه، يظل بحاجة إلى أكثر من الوعود لإثبات أنه حوار مستقل بالفعل.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.