بين الحشود واستنساخ الخطاب السياسي.. البرهان يفتح (كتاب البشير)

تقرير ـ عين الحقيقة

تتصاعد الأسئلة حول موقع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، في ظل تزامن أزمة دبلوماسية مع واشنطن مع ضغوط اقتصادية وإنسانية متفاقمة داخل السودان، وعودة خطاب سياسي يستند إلى التعبئة الجماهيرية والهتافات في مواجهة الانتقادات الدولية. وتأتي هذه التطورات بعد امتناع الولايات المتحدة عن منح البرهان تأشيرة دخول للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في خطوة قالت مصادر دبلوماسية وغربية إنها ارتبطت بمحاولة دفعه إلى قبول مقترح لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً. وفي المقابل، أعلنت الخرطوم رفضها لما اعتبرته تدخلاً في سيادتها، بينما قال البرهان لاحقاً إنه لا يحتاج إلى تأشيرة من أي دولة ولن يستجيب للضغوط أو الابتزاز.

لكن الجدل لم يتوقف عند الأزمة الدبلوماسية، بل انتقل إلى الداخل، حيث أثارت مقالات وتحليلات سياسية تساؤلات حول طبيعة الحشود التي تستقبل البرهان، وما إذا كانت تعكس تأييداً شعبياً واسعاً أم أنها تعبير عن تعبئة مرتبطة بظروف الحرب والاستقطاب السياسي.

«الكورتيزون السياسي».. 

في مقال حديث، انتقد الكاتب سيف الدولة حمدناالله ما وصفه بمحاولات إقناع البرهان بأن الهتافات التي تصاحبه في الأسواق والميادين تمثل مؤشراً على شعبيته. وشبه هذه النصائح بما سماه «الكورتيزون السياسي»؛ أي جرعة تمنح الحاكم شعوراً مؤقتاً بالتعافي السياسي، دون أن تعالج أصل الأزمة. ويذهب هذا الطرح إلى أن الانفعال الشعبي تجاه قضية وطنية، مثل الخلاف مع الولايات المتحدة، لا يعني بالضرورة تأييداً دائماً للسياسات الداخلية للحكومة أو للحرب نفسها. وهذه نقطة تكتسب أهمية خاصة في السودان، حيث يعيش المواطن تحت ضغط النزوح وانهيار الخدمات وارتفاع الأسعار وتراجع قيمة العملة. ويقول سيف الدولة إن قياس الشعبية من خلال الحشود والهتافات وحدها قد يقود الحاكم إلى قراءة خاطئة للمشهد، لأن دوافع المواطن في لحظة انفعال وطني قد تختلف عن تقييمه لأداء السلطة في الاقتصاد والسلام والخدمات.

أزمة التأشيرة

كان من المقرر أن يلقي البرهان كلمة السودان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر، قبل أن تتعطل مشاركته بسبب أزمة التأشيرة الأمريكية. ونقلت رويترز عن مصادر سودانية وغربية أن واشنطن ربطت إصدار التأشيرة، وفق تلك المصادر، بقبول مقترح وقف إطلاق نار لمدة 90 يوماً. كما أعلن متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية أن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وكذلك قيادتا الطرفين، لا تمثلان حكماً دستورياً شرعياً في السودان، وهو موقف يمثل تحدياً سياسياً ودبلوماسياً واضحاً للسلطة القائمة في بورتسودان.

وفي 26 سبتمبر، تحدث البرهان أمام حشد خلال فعالية «ما نسيناكم» الداعمة للقطاع الصحي، محولاً جزءاً من خطابه إلى الرد على أزمة التأشيرة، مؤكداً أن السودان لن يقبل الضغوط، وقال إنه لا يريد تأشيرة من أي دولة. وهنا برز سؤال سياسي وإعلامي: هل كان المكان والحدث مخصصين أصلاً لمناقشة أزمة التأشيرة، أم لدعم قطاع صحي يواجه انهياراً واسعاً؟ فالفعالية، بحسب التغطيات، جاءت دعماً للقطاع الصحي، في بلد يعاني من نقص الأدوية وتعطل المستشفيات وتراجع الخدمات الصحية، بينما اختار البرهان أن يجعل المواجهة مع واشنطن محوراً بارزاً في خطابه.

محللون: أزمة الشرعية أعمق من أزمة التأشيرة
يرى خالد عمر يوسف، الوزير السابق والباحث في الشأن السوداني، أن القضية تتجاوز مسألة دخول البرهان إلى نيويورك، وتمس سؤال تمثيل الدولة والشرعية السياسية. وقال يوسف في تصريحات إن كون الجيش مؤسسة من مؤسسات الدولة لا يمنح قائده تلقائياً «شهادة» بتمثيل شرعية الحكومة والدولة، مشيراً إلى أن موقع قائد الجيش وموقع رأس الدولة مساران مختلفان.

وأضاف أن أزمة الشرعية ليست جديدة، مذكراً بأن انقلاب أكتوبر 2021 أدى إلى تعليق عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي، وأن الولايات المتحدة باتت تنظر إلى طرفي الحرب باعتبارهما جزءاً من أزمة الحكم لا حلاً لها. وبحسب يوسف، فإن الرسالة الأمريكية من أزمة التأشيرة تتصل بمحاولة الضغط على البرهان للانخراط بجدية أكبر في جهود وقف إطلاق النار، في ظل ما وصفه بتضارب الرسائل التي صدرت عن القيادة العسكرية تجاه مبادرات الهدنة.

الحركة الإسلامية.. حضور سياسي محل جدل
وفي الخلفية، تعود قضية علاقة السلطة العسكرية بالحركة الإسلامية إلى الواجهة مجدداً. وتشير تحليلات دولية إلى أن مجموعات إسلامية مسلحة لعبت دوراً في دعم الجيش خلال الحرب، وأن ارتباط بعض هذه التشكيلات بالإرث السياسي لنظام عمر البشير أصبح أحد العوامل التي تثير مخاوف دولية بشأن مستقبل العملية السياسية في السودان.
لكن توصيف حجم نفوذ الإسلاميين داخل مؤسسات الدولة والجيش يظل موضع خلاف بين المراقبين، ولا يمكن اختزاله في الحشود التي تظهر في المناسبات العامة. ويقول محللون إن المشكلة الأساسية ليست فقط في وجود تيار سياسي مؤيد للجيش، وإنما في تحول الحرب إلى مساحة لإعادة إنتاج استقطاب سياسي قديم، بما يجعل خطاب التعبئة الوطنية متداخلاً مع خطاب أيديولوجي يعود إلى ما قبل سقوط نظام البشير.

«كتاب البشير».. هل تتكرر تجربة الحشد؟

يرى الكاتبان سيف الدولة حمدناالله وأحمد عثمان جبريل أن بعض مظاهر الخطاب السياسي الحالي تذكر بتجربة نظام البشير في سنواته الأخيرة، حين كانت السلطة تعتمد بصورة متزايدة على المهرجانات الجماهيرية والخطابات التعبوية في مواجهة الاحتجاجات والأزمات. لكن المقارنة تظل سياسية وتحليلية وليست حقيقة قابلة للقياس بمجرد مشاهدة تجمع جماهيري.

فالحشود قد تعكس تأييداً حقيقياً، وقد تكون مدفوعة بمؤسسات سياسية أو اجتماعية أو أمنية، وقد تجمع بين الأمرين. لذلك فإن الاختبار الأكثر دقة للشعبية هو اتجاهات الرأي العام الموثقة، والانتخابات الحرة، وحرية التنظيم والتعبير، وليس حجم الهتاف في مناسبة واحدة. وهذا التفريق مهم في بلد يعيش حرباً وانقساماً جغرافياً وسياسياً، حيث يصعب إجراء استطلاعات وطنية منتظمة تمثل السكان في مختلف المناطق.

الداخل يطرح أسئلة أكثر إلحاحاً
بينما يحتدم الجدل حول تأشيرة البرهان والعلاقة مع واشنطن، يواجه المواطن السوداني أزمات أكثر مباشرة: انهيار العملة، ارتفاع أسعار الغذاء والدواء، نقص الخدمات، النزوح، وتعطل قطاعات واسعة من الاقتصاد. وقد أفادت رويترز في سبتمبر بأن الجنيه السوداني فقد قرابة نصف قيمته في مناطق سيطرة الجيش منذ بداية الصيف، وأن سعر الدولار في السوق الموازية وصل إلى نحو 7,500 جنيه، مقارنة بنحو 4,100 جنيه في مايو، ما أدى إلى زيادة الضغوط على الأسر وارتفاع أسعار السلع الأساسية.
وفي مثل هذه الظروف، تصبح قدرة السلطة على تقديم الخدمات وتحسين المعيشة جزءاً أساسياً من أي نقاش حول قبولها السياسي. فالهتاف لا يخفض سعر الدواء، والمهرجان لا يعيد الكهرباء، والخطاب الوطني لا يعيد راتب المعلم المتأخر، كما أن المواجهة الإعلامية مع واشنطن لا تحل وحدها أزمة ملايين النازحين.
من الحشد إلى سؤال الشرعية
تكشف التطورات الأخيرة عن ثلاث أزمات متداخلة: أزمة دبلوماسية، ظهرت بوضوح في الخلاف مع واشنطن حول تأشيرة البرهان وموقف الولايات المتحدة من أطراف الحرب. وأزمة سياسية، تتعلق بالسؤال الأوسع حول طبيعة السلطة الانتقالية ومستقبل الحكم المدني في السودان. وأزمة معيشية، يجد المواطن نفسه في قلبها، من انهيار العملة إلى نقص الخدمات والدواء والغذاء.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون فقط: كم شخصاً هتف للبرهان؟ بل: هل تستطيع السلطة تحويل السيطرة العسكرية إلى دولة قادرة على توفير الأمن والخدمات والاقتصاد والسلام؟ فالحشد الجماهيري قد يمنح السياسي صورة قوية للحظة، لكنه لا يكفي وحده لإثبات الرضا الشعبي، كما أن التصعيد في الخطاب الدولي لا يمثل بديلاً عن معالجة أسباب الحرب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.