كيف اختطف الإخوان صوت الشارع السوداني؟.. من استثمار الغضب الشعبي إلى صناعة الحشود وتوجيه الحرب
تقرير ـ عين الحقيقة
لم يعد الصراع على السلطة يدور فقط في ميادين القتال، أو داخل مؤسسات الدولة السودانية، أو على طاولة المفاوضات؛ بل امتد إلى مساحة أكثر حساسية: من يتحدث باسم الشارع؟ ومن يملك القدرة على تحويل غضب المواطنين إلى قوة سياسية؟ هذا السؤال عاد إلى الواجهة مع تصاعد الحشود المؤيدة للجيش وقائد مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، واستخدام بعض الفعاليات الجماهيرية كمنابر سياسية للتعبئة ضد الخصوم الداخليين والضغوط الخارجية.
ويطرح تقرير نشرته منصة «حفريات» بعنوان «كيف اختطف الإخوان صوت الشارع؟» أطروحة تقوم على أن جماعات الإسلام السياسي، ومن بينها جماعة الإخوان المسلمين، اتبعت تاريخياً أسلوباً يقوم على انتظار الحراك الشعبي ثم الدخول إليه واستثمار زخمه وتوجيهه بما يخدم أهدافها السياسية. ويستشهد التقرير بنماذج من مصر في مراحل تاريخية مختلفة. وفي الحالة السودانية، تبدو المسألة أكثر تعقيداً؛ فالحرب جعلت الشارع نفسه ساحة صراع، وأصبح الحشد الجماهيري، والخطاب الديني، والإعلام، والكتائب المسلحة أدوات متداخلة في معركة النفوذ.
من الشارع إلى الحشد..
تاريخياً، كانت احتجاجات السودانيين وسيلة للضغط على السلطة، وبلغت ذروتها في ثورة ديسمبر التي أطاحت بنظام عمر البشير عام 2019. لكن خلال الحرب، برز نمط مختلف من التعبئة؛ إذ أصبحت السلطة والقوى المتحالفة معها قادرة على تنظيم تجمعات جماهيرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، وربطها بخطاب الحرب والدفاع عن الدولة والسيادة. وترى الكاتبة فاطمة علي سعيد، في مقال نشرته «عين الحقيقة»، أن هناك فارقاً بين «المليونية» التي تنطلق من إرادة الشارع، وبين الحشد الذي تصنعه السلطة لإظهار التأييد. وتؤكد أن امتلاء الساحات لا يمكن أن يكون بديلاً عن الشرعية السياسية أو الانتخابات.
وهنا تكمن إحدى أهم أدوات الصراع: تحويل عدد المحتشدين إلى مقياس للشعبية، وتحويل الهتاف إلى ما يشبه التفويض السياسي. لكن ذلك يظل استنتاجاً سياسياً يحتاج إلى الحذر؛ فوجود حشد مؤيد لا يعني بالضرورة أنه مصطنع بالكامل، كما أن حجم الحشد وحده لا يكفي لإثبات حجم التأييد الشعبي على المستوى الوطني.
الدين والتعبئة
تاريخياً، امتلكت الحركة الإسلامية السودانية خبرة واسعة في استخدام الخطاب الديني داخل المجال السياسي، خصوصاً خلال فترة حكم البشير. الباحث الاجتماعي محمد عثمان ذهب إلى إن الحركة الإسلامية وظفت الشعارات الدينية في العقود الماضية كأداة للتعبئة السياسية والعسكرية، وإن خطابها خلال الحرب أعاد تقديم الصراع باعتباره «معركة عقيدة» و«دفاعاً عن الدين»، بدلاً من كونه نزاعاً سياسياً وعسكرياً بين قوى متنافسة. مضيفاً أن الخطاب الديني استُخدم في عمليات استقطاب للشباب والنساء والفقراء، من خلال ربط المشاركة في القتال بمفاهيم دينية مثل «الشهادة» و«النصرة».
وحذر من أن هذه الطريقة في التعبئة تؤدي إلى إلغاء المسافة بين الدين والوطن والحزب والسلاح؛ فعندما يصبح الدفاع عن موقف سياسي معين مقدماً باعتباره دفاعاً عن الدين، يصبح نقد ذلك الموقف أكثر صعوبة، وقد يتحول الخلاف السياسي إلى اتهام بالخيانة أو الخروج على العقيدة.
الإعلام في المعركة
لم يقتصر الصراع على الشارع. فخلال الحرب، توسعت شبكات إعلامية مرتبطة بأطراف الصراع في استخدام المنصات الرقمية لإعادة صياغة الأحداث، وتحديد من هو «الوطني» ومن هو «الخائن»، ومن يقف مع الجيش ومن يقف ضده. وتشير تقارير «عين الحقيقة» إلى أن إعادة تموضع الحركة الإسلامية شملت أيضاً المجال الإعلامي، إلى جانب المؤسسات التنفيذية والسيادية. وفي تقرير سابق، قالت مصادر للمنصة إن عملية إعادة بناء النفوذ تضمنت إعادة زرع كوادر مرتبطة بالتنظيم في مؤسسات الدولة والإعلام والجهاز التنفيذي.
وهنا تصبح السيطرة على الرواية جزءاً من السيطرة على الشارع. فالمواطن الذي يتلقى رواية واحدة للحرب، ويُقدَّم له الصراع بوصفه معركة بين «الوطن» و«الخيانة»، قد يجد نفسه أمام خيارات محدودة لا تتيح له رؤية التعقيدات السياسية والعسكرية والإنسانية للنزاع.
الإسلاميون والشارع
يرى مراقبون تحدثوا لـ«عين الحقيقة» أن المسألة ترتبط بأزمة أعمق: الحركة الإسلامية فقدت السلطة بعد ثورة ديسمبر، لكنها لم تفقد بالضرورة كل شبكاتها التنظيمية والاجتماعية. وتشير مصادر تحدثت للمنصة إلى أن الحرب وفرت للتنظيم فرصة لإعادة بناء حضوره عبر التحالف مع المؤسسة العسكرية، والمشاركة في التعبئة، وتشكيل الفصائل والكتائب المسلحة، ومحاولة العودة إلى مؤسسات الدولة. وفي هذا السياق، تقول الباحثة السياسية الدكتورة لمياء الشريف إن إصرار قيادات الحركة الإسلامية على استمرار الحرب يرتبط، من وجهة نظرها، بالخوف من أن تؤدي عملية سياسية شفافة إلى إبعاد التنظيم ومحاسبة قياداته عن إرث مرحلة التمكين. ويضيف المحلل الاستراتيجي الدكتور حاتم الدالي أن تقديم المصلحة التنظيمية على مصالح المواطنين يحول مؤسسات الدولة إلى أدوات لحماية تنظيم سياسي.
الحرب والتعبئة
الباحث النفسي كمال هاشم يمضي إلى أن أحد أسباب نجاح خطاب التعبئة في أوقات الحرب هو أنه يستفيد من الخوف. حين يشعر المواطن بأن مدينته مهددة، وأن أسرته معرضة للخطر، تصبح الشعارات البسيطة أكثر تأثيراً: الوطن، الجيش، الدين، الخطر الخارجي، المؤامرة.
ويمضي إلى أن خطاب الحركة الإسلامية خلال الحرب اتجه إلى تصوير الصراع باعتباره مواجهة وجودية، مع استخدام الرموز الدينية والشعارات الحماسية في عمليات التجنيد والتعبئة. لكن المشكلة أن تحويل الحرب إلى معركة وجودية يجعل التسوية أكثر صعوبة؛ لأن التفاوض يصبح في نظر الجمهور المتعبئة جماهيرياً نوعاً من «الخيانة»، ووقف إطلاق النار قد يُصوَّر باعتباره تنازلاً أمام العدو. ويقول الدكتور محمد الأمين، المحلل السياسي، في تصريح سابق لـ«عين الحقيقة»، إن استمرار الحرب يرفع كلفتها على المدنيين والدولة، وإن النزاعات الممتدة تنتهي في الغالب عبر التسويات السياسية لا عبر انتصار كامل لطرف على آخر.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.