جنرالات «تيك توك» والدولار.. دماء أهلنا في الأبيض ليست «تريند» لبيزنس المغتربين!

بقلم: مناهل أبوقصيص

يا جماعة، الحكاية تجاوزت كل الحدود، وتخطّت كل خطوط الإنسانية والوجع. وأنا أكتب هذه الكلمات، يعيش أهلنا في الأبيض، عروس كردفان، تحت رحمة القذائف والخوف، وانعدام المياه والغذاء، فيما يخيم شبح تكرار «سيناريو الفاشر» الكارثي على قلوب الأمهات والآباء.

لكن، في الجانب الآخر، هناك عالم موازٍ؛ أناس يجلسون في أمان داخل شقق مكيفة في عواصم الخليج وأوروبا، يمسكون هواتفهم، ويفتحون البثوث المباشرة على «تيك توك» و«فيسبوك»، ويواصلون شحن عقول الناس المحاصرين في الداخل.

وشعارهم الدائم: «الثبات… والنزوح خيانة!»

لكن خيانة لمن؟ وبأي حق؟ أنت تعيش في أمان، وتشرب الماء البارد، ثم تطالب أناسًا لا يجدون حتى ثمن برميل ماء بالبقاء وسط القصف، ليكونوا دروعًا بشرية تثبت بها صحة رؤيتك السياسية أو تدعم بها موقفك العسكري. هذا ليس وطنية، بل متاجرة بدماء الناس بدم بارد.

بيزنس «التكايا» والبثوث المباشرة… كيف تعمل المصيدة؟

أصبحت الصورة أكثر وضوحًا، وانكشف المستور. فالمسألة تحولت إلى دورة رأس مال رقمي قذرة، تبدأ وتنتهي في حسابات بنكية خارج السودان.

أولًا: الشحن والتعبئة. يظهر «الناشط» المتحمس ليخوّن كل من يفكر في إخراج أطفاله إلى مكان آمن، ويرفض أي ممر إنساني أو أي خطوة تفاوض.

ثانيًا: تجارة التكايا. تُستغل حاجة المتطوعين الحقيقيين على الأرض، وتُفتح أبواب التبرعات عبر التطبيقات البنكية. لكن أين تذهب هذه الأموال؟ الله أعلم. وربما لا يصل إلى الداخل سوى النزر اليسير، فقط لإنتاج صور ومقاطع تضمن استمرار تدفق التبرعات.

ثالثًا: لحظة «الريتش» الأعلى. وما إن تقع مأساة أو يسقط ضحايا من المدنيين، حتى تتحول نبرة الخطاب من الحماس إلى البكاء والعويل، وتُرفع صور الضحايا لتتصدر المنصات، بينما تتزايد المشاهدات والهدايا الرقمية والدعم المالي المباشر.

وقد لخّص أحد شباب غرف الطوارئ في الأبيض هذا المشهد المؤلم بقوله:

««نحن نموت مرتين؛ مرة بالقذائف على الأرض، ومرة بسبب المتاجرين بنا في تيك توك. يريدون موتنا ليحوّلوا صورنا إلى تريند يجلب الدعم لصفحاتهم.»»

الدم كرأسمال سياسي

القضية ليست أموالًا ودولارات فقط، بل تتجاوز ذلك إلى الاستثمار السياسي في المأساة. فهناك من يوظف الجرائم والانتهاكات التي تقع في الأبيض لتصفية حسابات سياسية، وتسويق نفسه على المنصات الدولية، ومهاجمة خصومه، واستدرار تعاطف المنظمات، وكأن المواطن المحاصر أصبح مجرد مادة للاستثمار الإعلامي والسياسي.

الروح أغلى من «اللايك»

يا أهلنا في الأبيض، ويا لجان الأحياء والمبادرات الحقيقية في شمال كردفان، انتبهوا لهذه المؤامرة الرقمية، وميّزوا بين من يعمل على الأرض لإنقاذ الأرواح، ومن يستثمر في المأساة من خلف الشاشات.

الحقيقة التي يعرفها كل سوداني شريف هي أن حياة الإنسان السوداني، وكرامته، ومستقبل أطفاله، أقدس من أي شعار حرب. البطولة الحقيقية اليوم ليست في البقاء تحت القصف، وإنما في حماية الأرواح، والحفاظ على النسيج الاجتماعي، وإنقاذ الأطفال من الموت.

أما جنرالات البثوث المباشرة ولوحات المفاتيح، فلن يرسلوا لكم سوى دموع افتراضية ورموز حزينة، بينما تمتلئ حساباتهم بالدعم والهدايا على وقع مآسيكم.

فالبلد تُبنى بالأحياء… لا بالمشاهدات.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.