الدهشة التي لا تنتهي… لماذا لا يراجع الكيزان أنفسهم

حسن عبد الرضي الشيخ

تحيرني منذ زمن طويل فكرة يصعب عليّ فهمها، بل تزداد غرابة كلما مرّت السنوات.

كيف يمكن لإنسان أن يعيش تجربة سياسية امتدت قرابة أربعة عقود، ويرى بعينيه ما حلّ بالوطن، ثم لا يقف مع نفسه وقفة صدق واحدة؟

كيف يمكن لإنسان أن يشاهد الخراب الذي أصاب السودان، وسفك الدماء، وتمزق المجتمع، وانهيار الاقتصاد، وتآكل مؤسسات الدولة، وضياع هيبتها، ثم يزداد تمسكًا بالطريق نفسه الذي قاد إلى هذه النتيجة؟

بل كيف يمكن لبعض الناس أن يزدادوا حماسًا لتأييد المؤسسة العسكرية التي أصبحت مليشيا يسيطر عليها الاسلاميون، فعجبا للمليشيا التي انشأت المليشيات التي تناصبها العداء، حتى أشعلت حرباً أفضت إلى نتائج كارثية لم يعرف السودان مثلها في تاريخه الحديث؟!

والدهشة التي لا تفارقني. هي أن الذين انتموا في بداياتهم إلى ما عُرف بالحركة الإسلامية، ربما كان كثير منهم ضحايا خطاب ديني عاطفي، نجح في مخاطبة وجدان شعب متدين، ووعده بالمشروع الحضاري، وبنصرة الدين، وبإقامة دولة الإسلام.

ولذلك، لا أجد غرابة في انضمام بعض الشباب إلى تلك الجماعة في بداياتها. أما الغريب حقًا، فهو استمرار التمسك بها بعد أن تكشفت الحقائق.

هناك فرق كبير بين من خُدع لأول مرة، وبين من أصر على الخداع بعد انكشافه. وفرق أكبر بين من أخطأ، وبين من جعل من الخطأ عقيدة يدافع عنها، ويبحث لها عن المبررات.

لقد شهد تاريخ هذه الجماعة نفسها ما يكفي لإيقاظ كل عقل. فعندما وقعت المفاصلة الشهيرة في أواخر تسعينيات القرن الماضي، لم يكن الخارجون من المشروع الإسلامي خصومًا تقليديين له، بل كان في مقدمتهم زعيمهم حسن الترابي، الرجل الذي يُعد أحد أبرز مؤسسي الحركة الإسلامية الحديثة في السودان، وأهم منظريها. وانسحب معه عدد كبير من القيادات التاريخية.

وهنا يفرض السؤال نفسه: إذا كان بعض المؤسسين أنفسهم قد وصلوا إلى مرحلة المراجعة والانشقاق والخلاف العميق، أفلا يدعو ذلك من جاء بعدهم إلى التوقف والتفكر؟

ثم جاءت السنوات بما لم يكن يخطر على بال. أزمات تتوالى… حروب لا تنتهي… انقسامات تتكاثر… عزلة دولية… فساد يستشري… ودولة تتآكل من الداخل.

ثم سقط النظام في عام ٢٠١٩. وكان المتوقع أن تكون تلك اللحظة بداية مراجعة تاريخية شجاعة، واعترافًا بالأخطاء، وفتح صفحة جديدة مع الشعب.

لكن الذي حدث في كثير من الأحيان كان العكس تمامًا. فبدلًا من المراجعة، جاءت محاولات لإعادة إنتاج المشروع نفسه، بأسماء جديدة، وشعارات جديدة، وتحالفات جديدة، وكأن المشكلة كانت في اللافتة، لا في الفكرة، ولا في الممارسة.

وهنا بدأت أدرك أن القضية أعمق من مجرد خلاف سياسي. وأعمق من مجرد صراع على السلطة. وأعمق من مجرد أخطاء في الإدارة أو الاقتصاد. إنها قضية تتعلق بطبيعة النفس البشرية حين ترتبط مصالحها بالسلطة. وكلما ازدادت الامتيازات، صار الرجوع إلى الحق أثقل. وكلما تشابكت المصالح، أصبحت التوبة أصعب. وكلما طال المكث في مواقع النفوذ، صار الاعتراف بالخطأ أشبه بالهزيمة في نظر صاحبه.

فكم من إنسان بدأ الطريق مخلصًا… ثم غلبته الدنيا. وكم من إنسان دخل التجربة يبحث عن الدين… ثم انتهى يدافع عن الأشخاص. وكم من إنسان كان يبحث عن الحق… ثم أصبح يبحث عن الأعذار.

ولعل السؤال الأكبر الذي يستحق التأمل ليس فقط: لماذا استمرت هذه التجربة كل هذه العقود؟ بل: لماذا أُمهلت كل هذا الزمن رغم ما جلبته من مآسٍ؟ إن سنن الله في التاريخ لا تُهمل، لكنها قد تُمهل. والإمهال ليس رضا، ولا تزكية، ولا دليلًا على صحة الطريق، وإنما هو فسحة للاختيار، وفرصة للمراجعة، وامتحان للضمائر.

غير أن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان ليس أن يخطئ، فكل البشر يخطئون، وإنما أن يفقد القدرة على مراجعة نفسه. فالمراجعة هي علامة حياة الضمير. أما الإصرار على الخطأ بعد ظهور الحقيقة، فهو بداية موت البصيرة.

ولذلك، فإن دهشتي ليست من وقوع الخطأ أول مرة. فالخداع قد يقع فيه كثير من الناس. ولكن دهشتي الحقيقية هي من إنسان رأى كل هذا الخراب، وسمع كل هذه الصرخات، وشاهد وطنه يتمزق أمام عينيه، ثم ما زال يظن أن الطريق ذاته هو طريق النجاة.

تلك، في تقديري، ليست مجرد أزمة في السياسة، وإنما أزمة في القدرة على الاعتراف بالحقيقة حين تصبح أوضح من الشمس.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.