البحر الأحمر بين مطامع النفوذ وشبكات التهريب

نورا عثمان

الإخوان المسلمون وخطر تهديد أمن واستقرار المنطقة

لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر مائي حيوي للتجارة العالمية، بل أصبح في السنوات الأخيرة ساحة مفتوحة لصراعات النفوذ الإقليمي وشبكات التهريب والجماعات المسلحة التي تسعى إلى استثمار حالة الهشاشة الأمنية في عدد من دول المنطقة. وفي قلب هذه التطورات، تتزايد المخاوف من تنامي العلاقات والتقاطعات بين شبكات تهريب عابرة للحدود وأطراف سياسية وعسكرية تعمل بعيداً عن رقابة الدول ومؤسساتها الشرعية.

وقد أعادت تقارير دولية حديثة تسليط الضوء على هذه المخاوف، بعد حديثها عن مسارات تهريب ونقل تقنيات عسكرية عبر البحر الأحمر تربط بين إيران وأطراف مسلحة وشبكات ناشطة في السودان. وتثير هذه المعطيات أسئلة جوهرية حول طبيعة الدور الذي تلعبه جماعات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، في توفير البيئة السياسية والتنظيمية التي تسمح بتمدد مثل هذه الشبكات داخل السودان وفي محيطه الإقليمي.

على مدى سنوات طويلة، قدمت جماعة الإخوان نفسها باعتبارها مشروعاً سياسياً ودعوياً، لكن التجارب التي شهدتها عدة دول في المنطقة أظهرت أن تداخل النشاط السياسي مع الولاءات التنظيمية العابرة للحدود يمكن أن يخلق بيئات خصبة للتوتر وعدم الاستقرار. وفي السودان، ظلت الحركة الإسلامية لاعباً مؤثراً داخل مؤسسات الدولة والأجهزة المختلفة، الأمر الذي جعل كثيراً من المراقبين يربطون بين استمرار نفوذها وبين تعقيدات المشهد الأمني والسياسي الذي تعيشه البلاد اليوم.

إن أخطر ما تكشفه التقارير الأخيرة ليس فقط الحديث عن تهريب أسلحة أو نقل تقنيات عسكرية، بل الإشارة إلى وجود شبكات معقدة تتجاوز حدود الدولة الوطنية وتعمل وفق أجندات إقليمية متشابكة. فحين تتحول السواحل والموانئ إلى نقاط عبور للتهريب، وتصبح مناطق النزاع منصات لتبادل الخبرات العسكرية والتقنيات القتالية، فإن الخطر لا يهدد السودان وحده، بل يمتد إلى أمن البحر الأحمر بأكمله، وهو أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم.

ويكتسب الأمر خطورته من أن أي اضطراب أمني في البحر الأحمر لا ينعكس فقط على الدول المطلة عليه، بل يؤثر على حركة التجارة الدولية وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. ولهذا تنظر القوى الإقليمية والدولية بقلق متزايد إلى أي نشاط غير مشروع يمكن أن يحول هذا الممر الحيوي إلى ساحة مفتوحة للتهريب والصراعات بالوكالة.

إن المنطقة اليوم بحاجة إلى تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي بين دولها لمواجهة شبكات التهريب والجماعات المسلحة التي تستغل النزاعات الداخلية لتحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية. كما أن السودان بحاجة إلى بناء مؤسسات وطنية قوية ومستقلة قادرة على حماية حدوده وموانئه ومقدراته بعيداً عن نفوذ التنظيمات الأيديولوجية والمصالح العابرة للحدود.

لقد دفعت شعوب المنطقة ثمناً باهظاً نتيجة الصراعات والانقسامات والتدخلات الخارجية، وأثبتت التجارب أن أي تنظيم يضع مصالحه التنظيمية فوق مصالح الدولة والمجتمع يتحول مع مرور الوقت إلى عامل من عوامل عدم الاستقرار. ومن هنا تبرز أهمية مواجهة جميع أشكال التهريب والتدخلات غير المشروعة، وتجفيف منابعها السياسية والمالية والفكرية، حفاظاً على أمن السودان واستقرار البحر الأحمر ومستقبل المنطقة بأسرها.

وفي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يبقى الرهان الحقيقي على بناء دول قوية ومؤسسات فاعلة قادرة على فرض سيادة القانون وحماية المصالح الوطنية. أما استمرار الفوضى وتغول شبكات التهريب والجماعات المنظمة، فلن يقود إلا إلى مزيد من الأزمات التي يدفع المواطن العادي ثمنها من أمنه واستقراره ومستقبله.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.