ليست كل جرائم الحرب سواء. فهناك انتهاكات تهز الضمير الإنساني أكثر من غيرها، وتبقى وصمة عار تلاحق مرتكبيها مهما حاولوا الاحتماء بالشعارات أو التبريرات السياسية. ومن بين هذه الجرائم تأتي قضية تجنيد الأطفال والزج بهم في أتون الصراعات المسلحة، وهي القضية التي عادت إلى الواجهة مع تزايد الاتهامات الموجهة إلى كتيبة البراء بن مالك بشأن إشراك قاصرين في أنشطة مرتبطة بالحرب السودانية.
إذا صحت هذه الاتهامات، فإن الأمر لا يتعلق بمخالفة عابرة أو تجاوز ميداني محدود، بل بانتهاك جسيم للقانون الدولي الإنساني وللاتفاقيات الدولية التي تحظر تجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاعات المسلحة. فالقوانين الدولية لم تضع هذه الحماية عبثاً، وإنما جاءت استجابة لتجارب مريرة أثبتت أن الحروب تسرق من الأطفال أعمارهم وتعليمهم وصحتهم النفسية، وتحوّلهم إلى ضحايا قبل أن تجعل منهم مقاتلين.
المقلق في الأمر أن الحرب السودانية خلقت بيئة مثالية لاستغلال الفئات الأكثر هشاشة. فالفقر والنزوح وانهيار العملية التعليمية وفقدان الاستقرار الأسري كلها عوامل تجعل آلاف الأطفال عرضة للاستقطاب والتأثير. وفي مثل هذه الظروف، يصبح الحديث عن “الالتحاق الطوعي” موضع شك كبير، لأن الطفل المحاصر بالخوف والجوع وانعدام الخيارات لا يمتلك القدرة الحقيقية على اتخاذ قرار حر ومستقل.
إن أخطر ما في ظاهرة تجنيد الأطفال أنها لا تدمر حياة الضحايا فحسب، بل تدمر مستقبل الدولة نفسها. فالأوطان لا تُبنى بجيل تربى على أصوات الرصاص بدلاً من أصوات المعلمين، ولا يمكن لمجتمع يسعى إلى السلام أن يقبل بتحويل المدارس إلى ساحات تعبئة أو الأطفال إلى أدوات في معارك الكبار.
ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بالإدانة الأخلاقية، بل فتح تحقيقات مستقلة وشفافة في جميع الاتهامات المتعلقة بتجنيد الأطفال واستخدامهم في الحرب، أياً كان الطرف المتورط فيها. فالعدالة لا تتجزأ، وحماية الأطفال لا ينبغي أن تخضع للحسابات السياسية أو الولاءات العسكرية.
كما أن الصمت عن هذه الاتهامات أو محاولة تبريرها تحت أي ذريعة يمثل خطراً مضاعفاً. فكل يوم يتأخر فيه كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين يبعث برسالة خاطئة مفادها أن انتهاكات حقوق الأطفال يمكن أن تمر دون عقاب. وهذه رسالة لا ينبغي للسودان أن يقبل بها وهو يواجه واحدة من أعقد الأزمات في تاريخه الحديث.
إن مستقبل السودان لن تحدده نتائج المعارك وحدها، بل ستحدده أيضاً الإجابة عن سؤال أخلاقي وقانوني بالغ الأهمية: هل سيُسمح باستمرار الإفلات من العقاب في الجرائم المرتكبة بحق الأطفال، أم أن حماية الطفولة ستصبح خطاً أحمر لا يملك أحد حق تجاوزه؟
في نهاية المطاف، لا يوجد انتصار عسكري يمكن أن يبرر خسارة جيل كامل. وأي طرف يزج بالأطفال في الحرب، أو يُتهم بذلك ويتهرب من التحقيق والمساءلة، لا يدافع عن الوطن بقدر ما يساهم في تعميق جراحه وإطالة أمد مأساته.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.