من لم يمت بالرصاص يمُت بالمرض

نورا عثمان

في الحروب، لا تقتل البنادق وحدها. هناك عدو آخر أكثر هدوءاً وأشد فتكاً، يتسلل إلى البيوت والمخيمات والمستشفيات المتهالكة، ويحصد الأرواح بعيداً عن ضجيج المعارك وعناوين الأخبار. في السودان اليوم، لم يعد الموت حكراً على ساحات القتال، بل أصبح المرض شريكاً يومياً في صناعة المأساة، بينما ينشغل المسؤولون بإدارة الحرب وتبادل الاتهامات، تاركين ملايين المواطنين يواجهون مصيرهم وحيدين.
من الخرطوم إلى دارفور، ومن الجزيرة إلى كردفان، تتزايد الشكاوى من انهيار الخدمات الصحية ونقص الأدوية وإغلاق المرافق العلاجية أو خروجها عن الخدمة بسبب الحرب. مراكز صحية أغلقت أبوابها، ومستشفيات تعمل بقدرات محدودة، وأطباء اضطروا إلى النزوح أو الهجرة، فيما يجد المرضى أنفسهم أمام معادلة قاسية: إما البحث عن علاج لا يملكون تكلفته، أو الاستسلام للمرض وانتظار المجهول.
وفي الوقت الذي تتجه فيه الموارد والاهتمام الرسمي نحو المجهود الحربي، تتفشى الأمراض وسط ظروف إنسانية بالغة السوء. فالملاريا وحمى الضنك والكوليرا والأمراض المرتبطة بسوء التغذية باتت تشكل تهديداً يومياً لآلاف الأسر، خصوصاً في مناطق النزوح المكتظة التي تعاني من شح المياه النظيفة وضعف خدمات الصرف الصحي. أما الأطفال والنساء وكبار السن، فهم الأكثر عرضة لدفع ثمن هذا الانهيار الصحي المتسارع.
المشهد أكثر قسوة في المناطق التي تضررت بنيتها التحتية أو انقطعت عنها الإمدادات الطبية. هناك مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والفشل الكلوي الذين تحولت حياتهم إلى رحلة يومية من المعاناة بحثاً عن دواء أو جلسة علاج أو سرير في مستشفى. كثيرون فقدوا حياتهم ليس بسبب الإصابة المباشرة بالحرب، بل لأن العلاج لم يكن متاحاً في الوقت المناسب، أو لأن تكلفة الرعاية الصحية أصبحت خارج قدرة الأسر المنهكة اقتصادياً.
والأكثر إيلاماً أن الأزمة الصحية لا تبدو أولوية لدى الجهات المسؤولة بقدر ما تفرضه الكارثة الإنسانية القائمة. فبينما تستمر المعارك وتتواصل التعبئة العسكرية، تتراجع ملفات الصحة العامة ومكافحة الأوبئة وتوفير الدواء إلى الصفوف الخلفية. وكأن حياة المواطن العادي أصبحت رقماً هامشياً في حسابات الصراع، رغم أن انهيار القطاع الصحي لا يقل خطورة عن أي تهديد أمني أو عسكري.

إن الدول تقاس بقدرتها على حماية مواطنيها، لا بعدد البيانات السياسية أو حجم الإنفاق على الحروب. وما يحدث اليوم في السودان يطرح سؤالاً مؤلماً: ماذا يعني الانتصار إذا كان المواطن يفقد حياته بسبب جرعة دواء غير متوفرة أو مستشفى عاجز عن تقديم العلاج؟ وما قيمة الشعارات إذا كانت الأسر تعيش بين الخوف من الرصاص والخوف من المرض؟

لقد أصبح كثير من السودانيين يواجهون موتاً مزدوجاً؛ فإن نجوا من القصف والرصاص، وجدوا أنفسهم في مواجهة الأمراض والجوع وانعدام الرعاية الصحية. وبين هذا وذاك، تتسع دائرة المعاناة وتتعمق المأساة الإنسانية يوماً بعد يوم.
السودانيون لا يحتاجون فقط إلى وقف إطلاق النار، بل إلى وقف الانهيار الذي يهدد حياتهم وكرامتهم. يحتاجون إلى مستشفيات تعمل، وأدوية متوفرة، ومياه نظيفة، ورعاية صحية تحفظ حقهم الأساسي في الحياة. فالمواطن الذي صمد في وجه الحرب لا ينبغي أن يُترك فريسة للمرض، ولا يجوز أن يتحول العلاج إلى حلم بعيد المنال في وطن أنهكته الصراعات.
إن من لم يمت بالرصاص، لا يجب أن يموت بسبب الإهمال والمرض وغياب الرعاية الصحية. لكن هذا هو الواقع المرير الذي يعيشه ملايين السودانيين اليوم، في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية قسوة في تاريخ البلاد الحديث.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.