لماذا يستميت “إخوان السودان” بمواصلة حربهم بالرغم من خسارتهم لكل شيء؟

​مع تجاوز الصراع الدامي في السودان اكثر من ثلاث سنوات يتصاعد تساؤل جوهري في الأوساط السياسية والعسكرية لماذا تستميت الحركة الإسلامية في استمرار هذه الحرب، رغم الكلفة البشرية الباهظة وفقدانهم لكل المقومات التقليدية للسلطة؟
​الإجابة لا تكمن في القيادات التاريخية التقليدية التي توارت عن الأنظار، بل في صعود قيادات الصف الثالثوهم مجموعات من قطاع الشباب والطلاب بحزب المؤتمر الوطني (المحلول). هؤلاء المقاتلون، الذين يصفهم مراقبون بـ “المغبونين من ثورة ديسمبر 2019” التي أطاحت بنظامهم وفطمتهم عن امتيازات السلطة والمال العام، يمثلون اليوم الوقود البشري والدينامو الإعلامي لجبهات القتال، متمسكين بخيار “ةالانتصار العسكري الحاسم”ة ورافضين لأي تسوية سلمية.
​ و ​تشير الوقائع الميدانية إلى أن غالبية الكوادر الشبابية التي بدأت الحرب قد قضت في المعارك، إلا أن من بقي منهم يتصدر المشهد بضراوة. ولم يعد صوت منسوبي الجيش السوداني هو الأعلى في الميدان أو الفضاء الرقمي، بل باتت الشعارات التنظيمية لـ “لواء البراء بن مالك” والكتائب الإسلامية الأخرى هي الطاغية، مما يعزز فرضية تحكم عناصر النظام المخلوع في القرار العسكري للقوات المسلحة.
و ​تنتشر هذه الكوادر في ولايات الجزيرة، سنار، النيل الأبيض، القضارف، نهر النيل، ومدينتي الخرطوم وبحري. ومن أبرز الوجوه التي تقود العمليات الميدانية حالياً النيل الفاضل والناجي عبد الله، النيل الفاضل، رئيس الاتحاد العام للطلاب السودانيين الأسبق، وهو أحد أكثر عناصر المؤتمر الوطني إثارة للجدل، واشتهر في الإعلام بلقب “ساجد البشير” بعد سجوده أمام موكب الرئيس المخلوع عام 2013.
عُرف بعنف خطابه في جامعة الخرطوم وانخراطه في الكتائب الجهادية، وتبرعه الشهير بمبلغ 20 ألف دولار من أموال الطلاب لحركة حماس، بعد سقوط النظام، نشط في مظاهرات “الزحف الأخضر” لتقويض الحكومة الانتقالية بقيادة د. عبد الله حمدوك، ويقود اليوم الاستنفار الشعبي.
و ​برز ناجي مصطفى كأكاديمي بخلفية إخوانية بعد سقوط البشير، ونشط في “اعتصام القصر” (المعروف باعتصام الموز) الذي مهد لانقلاب البرهان في أكتوبر 2021.
​أسس الناجي”حركة المستقبل للإصلاح والتنمية” قبيل الحرب بشهر واحد، وحُكم عليه سابقاً بالسجن 20 عاماً من قِبل محكمة مكافحة الإرهاب لتهديده الحكومة الانتقالية بفيديو مسلح. ​يقود العمليات مرتدياً الزي العسكري، مستعيناً بشباب وعناصر من جهاز الأمن وهيئة العمليات ذوي الولاء التنظيمي المطلق.
اما شهاب برج ​كادر إخواني بارز من جامعة الخرطوم، وقاتل سابق في حرب جنوب السودان قبل الانفصال. وقع في أسر الحركة الشعبية (قطاع الشمال) عام 2013 وأُطلق سراحه في 2017. ورغم إعلانه حينها أنه سيكون “رسولاً للسلام”، إلا أنه عاد لحمل السلاح قيادياً في معارك جبل مويا وغرب النيل الأبيض.
يرى الكاتب والمحلل السياسي الجميل الفاضل أن الإسلاميين يخوضون هذه الحرب بمنطق أنها “حربهم هم أولاً وأخيراً”، وليست حرب الجيش أو الحركات المسلحة الحليفة. و يعتبر التنظيم هذه المعركة وجودية؛ حيث أقر قادة كبار مثل أمين حسن عمر وفقدانهم لأكثر من ألفين من شبابهم في المعارك. ومن هذا المنطلق، نشأت معضلة واضحة وهي “عدم امتلاك القيادة الرسمية للقوات المسلحة لقرار وقف الحرب منفردة”.

​و يؤكد مراقبون بأن هدف الإسلاميين الأساسي من استمرار إشعال الجبهات هو إجهاض المبادرات الساعية للتفاوض، ولن يسمحوا بإيقاف القتال إلا بموجب اتفاق يضمن عودتهم الصريحة إلى السلطة لمواصلة مشروع (التمكين) والحصول على الحصانة من المحاكمات القضائية.

و ​تؤكد المعطيات على الأرض أن “إخوان السودان” من قيادات الصف الثالث والشباب يربطون مصيرهم السياسي والوجودي باستمرار الآلة العسكرية. وبالنسبة لهم، فإن خسارة الحرب أو الذهاب إلى طاولة المفاوضات يعني نهاية تنظيمهم إلى الأبد وتحميلهم مسؤولية الدمار، وهو ما يجعلهم يستميتون في القتال حتى الرمق الأخير، مستغلين حاجة الجيش للمشاة في الميدان لفرض أجندتهم السياسية على مستقبله ومستقبل البلاد.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.