في النزاعات المسلحة، لا يقتصر ثمن الحرب على ميادين القتال، بل يمتد إلى المرافق التي يعتمد عليها المدنيون في حياتهم اليومية. وعندما تتحول المستشفيات والمدارس والجامعات ووسائل النقل إلى مواقع للاستخدام العسكري، تصبح الحدود الفاصلة بين المدني والعسكري أكثر هشاشة، وتزداد المخاطر التي تهدد السكان والبنية التحتية والخدمات الأساسية.
استناداً إلى مواد بصرية ووثائق ميدانية تحققت منها «عين الحقيقة»، رصد فريق المنصة نمطاً متكرراً لاستخدام مرافق مدنية في ولايات النيل الأبيض وسنار والنيل الأزرق لأغراض عسكرية، في ممارسات تثير تساؤلات جدية بشأن مدى الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني، التي توجب على أطراف النزاع تحييد الأعيان المدنية وعدم تعريضها لمخاطر العمليات القتالية.
رصد ميداني
أظهر الرصد الذي أجرته «عين الحقيقة» عدداً من الوقائع التي تشير إلى استخدام مرافق مدنية في أنشطة عسكرية، من أبرزها: مؤسسات تعليمية: وثقت المنصة استخدام كلية الهندسة بجامعة الإمام المهدي بمدينة ربك، إلى جانب المدرسة الفنية بمدينة كوستي، كمقار لكتائب العمل الخاص.
مرافق صحية: أظهرت المواد الميدانية استخدام مستشفى «نور الدائم» بمنطقة نعيمة شمال ولاية النيل الأبيض في أنشطة عسكرية، الأمر الذي انعكس، وفقاً لما وثقه التقرير، على تقديم الخدمات الصحية للمواطنين.
وسائل نقل مدنية: رصدت المنصة استخدام حافلات سفر مدنية في نقل مقاتلين تابعين للجيش والكتائب الإسلامية إلى مناطق العمليات، وهو ما قد يفقد تلك الوسائل صفتها المدنية ويزيد من احتمالات تعرضها للاستهداف.
سيارات الإسعاف: وثقت اللقطات ظهور عناصر من «كتيبة البراء بن مالك» على متن سيارة إسعاف بولاية النيل الأبيض، في واقعة تثير تساؤلات حول استخدام وسائل تتمتع بحماية خاصة بموجب القانون الدولي الإنساني.
محطات الوقود: كما أظهرت المواد المصورة وجود عناصر مسلحة داخل محطات وقود بمدينة الأبيض، واستخدام تلك المواقع في أنشطة تعبئة وخطابات ذات طابع تحريضي، بحسب ما وثقته المنصة.
قراءة قانونية
تنص قواعد القانون الدولي الإنساني على ضرورة التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، وتحظر استخدام المرافق المدنية بطريقة تؤدي إلى فقدان الحماية القانونية التي تتمتع بها أو تعريض المدنيين لمخاطر إضافية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي استخدام عسكري للمستشفيات أو المؤسسات التعليمية أو وسائل النقل أو غيرها من المرافق الخدمية، إذا ثبت، لا ينعكس فقط على الوضع القانوني لتلك المنشآت، بل يضاعف أيضاً من الأعباء الإنسانية، عبر تعطيل الخدمات الأساسية وتعريض المدنيين لخطر مباشر.
ما وراء الرصد
تكشف الوقائع التي وثقتها «عين الحقيقة» عن نمط يستحق التحقيق والتدقيق من الجهات المختصة والآليات الدولية المعنية بحماية المدنيين. فالحفاظ على الطابع المدني للمستشفيات والمدارس والجامعات ووسائل النقل ليس مجرد التزام قانوني، بل يمثل أحد أهم الضمانات لحماية السكان أثناء النزاعات المسلحة.
وتؤكد «عين الحقيقة» أن هذا الرصد يأتي في إطار رسالتها القائمة على التوثيق المهني والتحقق من الوقائع، وإتاحة المعلومات للرأي العام استناداً إلى الأدلة الميدانية، بما يسهم في تعزيز المساءلة وحماية المدنيين، ويدعم احترام قواعد القانون الدولي الإنساني بعيداً عن الاستقطاب السياسي والدعاية الحربية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.