​كسلا تحت وطأة الإضراب الشامل.. . معالجات قاصرة تُهدد بخصخصة التعليم الحكومي

متابعات ـ عين الحقيقة

​دخل القطاع التعليمي في ولاية “كسلا” نفقاً مظلماً من الشلل التام، إثر إعلان لجنة المعلمين السودانيين اتساع رقعة الحراك المطلبي والدخول في إضراب شامل يمتد لأسبوع كامل بدءاً من (الأحد ١٢ يوليو وحتى الخميس ١٦ يوليو ٢٠٢٦م).
وتأتي هذه التطورات الميدانية المتصاعدة لتسلط الضوء على عمق الأزمة الهيكلية والمعيشية التي يواجهها حماة العقود التربوية في الولاية، وسط تحذيرات نقابية حادة من توجهات غير معلنة لـ “خصخصة” التعليم الحكومي والتنصل من المسؤولية الدستورية والأخلاقية للدولة.
و ​لم يعد المشهد في ولاية كسلا مقتصرًا على فصول دراسية موصدة الأبواب للشهر الثاني على التوالي، بل تخطاه ليعكس مأساة إنسانية ومهنية بالغة القسوة؛ حيث دفعت الظروف الاقتصادية الطاحنة بالكوادر التربوية إلى حافة العمل الشاق وهجرة الفصول بحثاً عن كسب العيش وتأمين لقمة الصوامع.
​وقد رصدت المتابعات مظاهر صادمة لواقع المعلم بالولاية، تمثلت في لجوء مدراء ومدراء وكلاء مدارس إلى أعمال بدنية شاقة كتحميل مواد البناء والخرسانة في الشاحنات مقابل أجر يومي، أو إدارة طاولات صغيرة لبيع المواد التموينية في أسواق المدينة، في حين أعلن آخرون مغادرتهم المهنة بلا رجعة جراء انهيار القدرة الشرائية؛ إذ كشفت مصادر نقابية أن أعلى راتب لمعلم بالدرجة الأولى —بعد أكثر من 40 عاماً من الخدمة في الحقل التربوي— لا يتجاوز 160 ألف جنيه سوداني، في وقت تعود فيه آخر زيادة هيكلية للرواتب إلى ما قبل اندلاع حرب 15 أبريل.
​تتلخص الاستحقاقات المشروعة التي يطالب بها معلمو ولاية كسلا، والتي تقابلها حكومة بورتسودان ببطء وتجاهل مستمر، في حزمة بنود رئيسية تتمثل في
​الصرف الفوري لمتأخرات الحوافز والبدلات واللبس والالتزامات المالية المتراكمة.
و ​تنفيذ التعديلات المقررة لرواتب عامي 2025 و2026. بالاضافة الى ​الرفع العاجل لبدل الوجبة بما يتناسب مع معدلات التضخم المتصاعدة. ​وفي مقابل هذه المطالب، يرى مراقبون أن الحلول المطروحة من الجهات التنفيذية جاءت بمثابة “مُسكنات” لم تلامس جذور الأزمة، بل جوبهت برفض قاطع من لجنة المعلمين والمجتمع المحلي .
و تنص المقترحات الحكومية المطروحة على فرض مساهمة مالية بقيمة 20 ألف جنيه على أولياء أمور التلاميذ، مع استثناء أبناء المعلمين وأسر الشهداء من هذا القرار. وفي المقابل، يواجه هذا المقترح برفض قاطع من الجانب النقابي والشعبي، بناءً على مبدأ أن توفير الرواتب هو مسؤولية أصيلة تقع على عاتق الدولة، ولا ينبغي تحويلها إلى عبء إضافي يُلقى على كاهل المواطن الذي يعاني بالفعل من إنهاك اقتصادي.
​كما شملت المقترحات الحكومية زيادة الرسوم الجمركية والضريبية على بعض السلع الاستهلاكية بهدف تمويل استحقاقات التعليم، وهو ما قوبل بالرفض أيضًا من الموقف النقابي والشعبي.
و ​مع استمرار هذا الانسداد الإداري، طفت على السطح تساؤلات حتمية تطرحها الأوساط المحلية بكسلا حول أوجه الصرف وعوائد الاستثمارات التابعة لوزارة التربية والتوجيه بالولاية، ومصير أموال “صندوق دعم التعليم”، وهل جرى توظيف تلك الموارد بالشكل الأمثل لمعالجة الأزمة قبل وصولها لمرحلة الشلل الشامل؟
​وتحذر القوى النقابية والتربوية من أن استمرار هذا الوضع يفرز واقعاً تعليمياً واجتماعياً كارثياً؛ فبينما تتواصل الدراسة بانتظام في المدارس الخاصة لمن يملكون المقدرة المالية، يبقى آلاف التلاميذ في المدارس الحكومية خارج منظومة التحصيل، مما يهدد باتساع الفجوة الطبقية، ويدفع بالأطفال والشباب إلى سوق العمل والأعمال الشاقة لحاجة عائلاتهم.
​إن الأزمة الراهنة في ولاية كسلا تتجاوز تهديد عام دراسي واحد، لتصيب مستقبل جيل كامل في مقتل. وتطالب الأصوات التربوية بضرورة التدخل العاجل والمسؤول لإعادة المعلم إلى فصله، والطالب إلى مقعده الدراسي، وبسط هيبة التعليم الحكومي قبل أن يصبح إنقاذ العام الدراسي برُمّته مهمة مستحيلة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.