البرهان بين المسودات والترضيات.. هل يتفكك تحالف بورتسودان بصمت؟

النور آدم سلمان

كلما انكشفت ورقة جديدة من أوراق السلطة، خرجت علينا الرواية ذاتها، وإن اختلفت الكلمات. مرة باسم «المسودة»، ومرة تحت لافتة «الترتيبات التنظيمية»، ومرة أخرى بذريعة «مقتضيات المرحلة». لكن القاسم المشترك بينها جميعًا هو محاولة الهروب من تحمل المسؤولية السياسية أمام الرأي العام.

ما يجري اليوم ليس مجرد ارتباك في إدارة المشهد، بل أزمة ثقة تتسع يومًا بعد آخر بين السلطة وحلفائها قبل خصومها. فحين تُدار القضايا المصيرية خلف الأبواب المغلقة، ثم يُطلب من الناس تصديق أنها كانت مجرد «أفكار للنقاش»، فإن المشكلة لا تكمن في انكشاف ما كان يُدار بعيدًا عن الأعين، بل في العقلية التي ترى أن الشعب آخر من يحق له معرفة ما يُخطط لمستقبله.

الحديث المتوقع عن أن ما جرى تداوله لا يعدو كونه «مسودة» لا يبدد الشكوك، بل يعمقها. فإذا كانت تلك الأفكار مجرد أوراق أولية، فلماذا أحيطت بكل هذا القدر من السرية؟ ولماذا لم تُناقش بشفافية مع القوى التي يفترض أنها شريكة في اتخاذ القرار؟ إن تحويل الخطط إلى «مسودات» بعد انكشافها لا يبدو تشاورًا بقدر ما يبدو محاولة متأخرة لاحتواء الغضب.

وفي موازاة ذلك، تتجه الأنظار إلى العلاقة المتوترة بين قيادة الجيش والحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا. فكل المؤشرات توحي بأن المرحلة المقبلة ستشهد محاولات لإعادة ترتيب هذه العلاقة عبر لقاءات سياسية تحمل عنوان «التطمينات»، بينما يدور جوهرها حول إدارة الخلافات ومنع اتساع فجوة الثقة داخل معسكر بورتسودان.

ولعل أكثر الملفات حساسية هو مستقبل انتشار القوات المشتركة داخل المدن. فإذا جرى تقديم أي انسحاب أو إعادة انتشار على أنه «إجراء تنظيمي»، فإن السؤال الحقيقي سيظل قائمًا: هل يتعلق الأمر فعلًا بمتطلبات الميدان، أم بإعادة توزيع موازين النفوذ داخل التحالف نفسه؟

السياسة لا تُقاس بالشعارات، وإنما بالنتائج. وعندما تتكرر التبريرات بالصيغة نفسها، يصبح من حق الرأي العام أن يتساءل: هل نحن أمام إدارة للأزمة، أم إدارة للرواية؟ وهل المقصود معالجة الخلل، أم مجرد تغيير الطريقة التي يُقدَّم بها للجمهور؟

إن أخطر ما تواجهه أي سلطة ليس معارضة خصومها، بل اهتزاز ثقة حلفائها. وحين يصبح الاحتواء بديلًا عن الشفافية، والتطمينات بديلًا عن الاتفاقات الواضحة، فإن التحالفات تتحول إلى ترتيبات مؤقتة قابلة للاهتزاز مع أول اختبار سياسي أو عسكري. وما يبدو اليوم خلافًا مكتومًا قد يتحول غدًا إلى واقع يصعب احتواؤه إذا استمرت إدارة التحالفات بمنطق ردود الأفعال لا بمنطق الشراكة الحقيقية.

السودان اليوم لا يحتاج إلى مسودات جديدة، ولا إلى مزيد من الغرف المغلقة، ولا إلى تبريرات تُكتب بعد وقوع الأحداث. ما يحتاجه هو وضوح في القرار، وصدق في الخطاب، واحترام لعقول السودانيين الذين دفعوا، وما زالوا يدفعون، ثمن الصفقات المؤجلة والتفاهمات غير المعلنة.

قد تنجح السلطة في تأجيل الانفجار السياسي لبعض الوقت، لكنها لن تستطيع إلغاء الأسئلة التي تتراكم في الشارع. فالثقة لا تُبنى بالتطمينات، ولا تُستعاد بالبيانات، بل بالمكاشفة وتحمل المسؤولية. وكل محاولة لتغليف القرارات المصيرية بمفردات مثل «المسودة» أو «الإجراء التنظيمي» لن تغير من حقيقة أن أزمة الثقة باتت العنوان الأبرز للمشهد السياسي السوداني، وأن مستقبل تحالف بورتسودان سيظل مرهونًا بقدرته على مواجهة أزماته بوضوح، لا بإعادة تدويرها تحت عناوين جديدة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.