سلطة بورتسودان في مصيدة «الكيميائي»: من الإنكار إلى مواجهة المنظومة الدولية؟
بقلم: عروة الصادق
دخلت سلطة بورتسودان مرحلة مختلفة من الضغوط الدولية، فالمسألة اليوم لا تقتصر على عقوبات اقتصادية أو مواقف سياسية، ولكنها انتقلت إلى ملف شديد الحساسية يتعلق باتفاقية دولية ملزمة هي اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وهذا يعني أن أي تعامل مع الاتهامات سيؤثر مباشرة في مكانة السودان داخل المنظومة الدولية، وفي علاقته بالمنظمات الفنية المختصة، وليس بالولايات المتحدة وحدها.
● عندما بدأ الحديث عن استخدام البرهان للكيميائي تبنت سلطة بورتسودان في المرحلة الأولى سياسة الإنكار الكامل والتشكيك في الاتهامات، وحولوا النقاش وقتئذ من الجانب الفني إلى الجانب السياسي، عبر اتهام #واشنطن بتسييس المنظمة الدولية أو ممارسة ضغوط مرتبطة بالحرب، ظنا منهم أن هذه المقاربة تمنحهم وقتًا إضافيًا، وتساعدهم في المحافظة على تماسك جبهتها الداخلية، لكنها لم تكن كافية إذا انتقل الملف إلى مرحلة التحقق الفني داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وفي تلك الفترة أغلقت السلطات محيط القصر الجمهوري ووسط الخرطوم وتم حظر الحركة لفترة زادت عن ستة أشهر كان يتم فيها تنظيف الأرض من أي أثر، وتم خلال هذه الفترة التخلص حتى من الضباط والأفراد الذين شاركوا في عمليات التنظيف، الذين فر بعضهم إلى دول جارة، وللأسف لا زالت تلك الآثار موجودة في مناطق كمستشفى الخرطوم ومستشفى الشعب وصولا لمنطقة أبراج النيلين جنوب السكة الحديد، كما رأينا كيف لا زالت هناك مرافق في مبنى الإذاعة والتلفزيون ومصفاة الجيلي يحظر دخولها، بالإضافة لموجة من الأمراض المجهولة في مناطق الريف الشمالي لأمدرمان وشمال بحري عزاها الأهالي لحركة الرياح التي تنقل المخلفات الكيميائية للحرب.
● وانتقلوا بعد ذلك للسيناريو الثاني يتمثل في المناورة الإجرائية، عبر إعلان الاستعداد للتعاون من حيث المبدأ، مع الدخول في مفاوضات طويلة حول طبيعة التفتيش، وأماكنه، وجدوله، وحدود صلاحيات فرق التحقق، وهذا الأسلوب استخدمته دول عديدة واجهت اتهامات مشابهة، بهدف كسب الوقت، وإدارة الضغوط، وتأخير الوصول إلى مرحلة التفتيش الكامل، ولكن رأينا كيف تمنح وتمنع السلطات البعثات الدولية والمنظمات الإغاثية وتعرقلها عبر بيروقراطية وزارة الخارجية التي يهيمن عليها عناصر الحزب المحلول.
● أما السيناريو الثالث وهو الأكثر تعقيدًا والذي أرى أنه بات يلوح في الأفق بعد الضغوط الأمريكية، فيتمثل في التعاون المشروط، بحيث تسمح السلطة بزيارات أو إجراءات محدودة، مع الإبقاء على قيود تتعلق بالمواقع العسكرية أو المنشآت الحساسة، بحجة حماية الأمن القومي، غير أن هذا الخيار قد لا يحقق الغاية إذا أصرت المنظمة والدول الأعضاء على تطبيق معايير التفتيش المنصوص عليها في الاتفاقية.
● وإذا استمرت سياسة المماطلة أو رفض التفتيش، فإن الأزمة مرشحة للانتقال من مستوى الاتهام إلى مستوى عدم الامتثال، وهو مسار قد يقود إلى عزلة دبلوماسية أوسع داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وهو ما سيضاعف الضغوط السياسية والاقتصادية القائمة، ويمنح الدول الداعمة للتحرك الأمريكي مبررات إضافية لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة.
● لذلك فإن القضية لم تعد قانونية أو فنية فحسب، وإنما أصبحت اختبارًا لمدى استعداد البرهان وسلطة بورتسودان للانخراط في منظومة الرقابة الدولية، وكلما طال أمد الغموض، ارتفعت الكلفة السياسية، وتراجعت فرص استعادة الثقة الدولية. وفي المقابل فإن أي معالجة شفافة، تستند إلى التعاون مع آليات التحقق الدولية، ستكون أقل كلفة على السودان من الدخول في مواجهة مفتوحة مع نظام دولي يقوم على الالتزامات التعاقدية والرقابة الفنية متعددة الأطراف.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.