كلما ضاقت الساحة السياسية في السودان، خرج علينا من يعتقد أن مصير البلاد يمكن أن يُحسم بمنصة خطاب أو حشد قبلي أو إعلان ولاء لهذا الطرف أو ذاك. وآخر هذه المشاهد الدعوات التي يقودها الناظر محمد الأمين تُرك لتفويض الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في خطوة تثير أسئلة أكبر بكثير من الشعارات التي تُرفع في الساحات.
السؤال الجوهري ليس: هل يحق لتُرك أن يعلن دعمه للبرهان؟ فهذا حق سياسي يكفله مبدأ حرية التعبير. لكن السؤال الذي لا يمكن تجاوزه هو: من الذي منح أي شخصية، مهما كان وزنها الاجتماعي أو القبلي، حق الحديث باسم السودان كله؟ ومن الذي خوّلها أن تتصرف وكأنها تمتلك وكالة حصرية لتحديد مستقبل دولة يزيد عدد سكانها على أربعين مليون نسمة؟
الدول لا تُدار بمنطق التفويضات الشعبية المرتجلة، ولا تُبنى شرعيتها عبر مواكب الولاء. الشرعية السياسية في الدول الحديثة تُستمد من مؤسسات دستورية وانتخابات حرة وإرادة عامة تُعبّر عنها صناديق الاقتراع، لا من بيانات سياسية أو تجمعات قبلية مهما كان حجمها وتأثيرها. أما تحويل البلاد إلى ساحة لتوزيع صكوك الشرعية، فهو تكريس للأزمة وليس طريقًا للخروج منها.
لقد دفع السودانيون ثمنًا باهظًا بسبب تغليب الولاءات الضيقة على فكرة الدولة الوطنية. وكل مرة يُعاد فيها إنتاج هذا المشهد، تتراجع فرص بناء دولة المواطنة لصالح دولة المحاور والقبائل ومراكز النفوذ. والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم هو: هل يحتاج السودان إلى مزيد من التفويضات، أم إلى مشروع وطني يعيد السلطة إلى الشعب وحده؟
إن أخطر ما في هذه التحركات أنها تعيد إنتاج الثقافة السياسية نفسها التي ساهمت في إضعاف مؤسسات الدولة لعقود؛ ثقافة الشخصنة، والزعامة، والبحث عن تفويضات استثنائية خارج الأطر الدستورية. وعندما تصبح شرعية الحكم رهينة لتجمع هنا أو اعتصام هناك، فإن الدولة تتحول تدريجيًا إلى كيان هش، تُدار أزماته بردود الأفعال بدلًا من المؤسسات.
لا أحد ينكر المكانة الاجتماعية التي يتمتع بها الناظر تُرك داخل نطاقه الأهلي، لكن النفوذ القبلي لا يساوي تفويضًا وطنيًا، والتمثيل الاجتماعي لا يعني احتكار الإرادة السياسية لشعب بأكمله. فالسودان ليس قبيلة، ولا جهة، ولا إقليمًا واحدًا، وإنما وطن متعدد لا يملك أحد حق التحدث باسمه منفردًا.
إن البلاد التي تعيش حربًا مدمرة وانهيارًا اقتصاديًا وأزمة إنسانية غير مسبوقة، تحتاج إلى خطاب يوحّد السودانيين، لا إلى مزيد من الاستقطاب. وتحتاج إلى توافق سياسي شامل يفتح الطريق أمام سلام دائم ومؤسسات مدنية قادرة على إدارة المرحلة، لا إلى سباق جديد حول من يمنح الشرعية لمن.
سيظل السؤال قائمًا، مهما تعددت المنصات وتغيرت الشعارات: من الذي كلف تُرك بتحديد مصير الدولة السودانية؟ ومن الذي يملك أصلًا حق تفويض أي قائد نيابة عن شعب لم يقل كلمته عبر انتخابات حرة ونزيهة؟ الإجابة في دولة القانون واحدة وواضحة: الشعب وحده هو مصدر الشرعية، وكل ما عداه يبقى موقفًا سياسيًا يعبر عن أصحابه، ولا يلزم أمة بأكملها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.