الديسمبريون… السد الأخير في وجه الردة السياسية

نورا عثمان

لم تكن ثورة ديسمبر مجرد احتجاج عابر على أزمة معيشية أو صراع على السلطة، بل كانت إعلانًا واضحًا عن رفض السودانيين لعقود من الاستبداد والفساد والاحتكار السياسي. ولذلك، فإن كل محاولة لإعادة إنتاج المشهد القديم، بأي صورة كانت، ستصطدم بجيل صنع ثورته بوعيٍ سياسي وإيمانٍ راسخ بأن مستقبل السودان لا يُبنى بالوصاية ولا بالاستقواء بالسلاح.
اليوم، تتصاعد أصوات تدعو إلى منح تفويضات سياسية خارج الأطر الديمقراطية، بينما يرى كثير من الديسمبريين وأنصار القوى المدنية أن مثل هذه الطروحات تتعارض مع المبادئ التي رفعتها الثورة، وفي مقدمتها الحرية والسلام والعدالة، وسيادة حكم القانون، وحق الشعب وحده في اختيار من يحكمه.
من وجهة نظر هؤلاء، فإن الأزمة السودانية لن تُحل بتكريس سلطة الأمر الواقع أو باستبدال الإرادة الشعبية بتفويضات سياسية، بل بعملية سياسية شاملة تتيح لجميع السودانيين المشاركة في رسم مستقبل بلادهم عبر مؤسسات شرعية وآليات ديمقراطية. ويعتقدون أن أي مسار يتجاوز هذه المبادئ يحمل خطر إعادة إنتاج الأزمات التي دفعت السودانيين إلى الخروج في الشوارع منذ سنوات.
كما يرى قطاع واسع من أنصار الثورة أن عودة القوى التي ارتبط اسمها بالنظام السابق إلى مواقع النفوذ السياسي تمثل تراجعًا عن أهداف ديسمبر، وأن حماية مكتسبات الثورة تتطلب التمسك بالدولة المدنية، واستقلال المؤسسات، والمساءلة، ورفض الإفلات من العقاب، مع الاحتكام إلى صناديق الاقتراع عندما تتوافر الظروف الملائمة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة.
ولذلك، يواصل الديسمبريون، بحسب هذا المنظور، الدفاع عن مشروع الدولة التي تقوم على المواطنة وسيادة القانون، ويرفضون تمرير أي أجندة يرون أنها تتعارض مع أهداف الثورة أو تمنح أي جهة حق احتكار القرار الوطني بعيدًا عن الإرادة الشعبية. ويؤكدون أن اختلاف السودانيين في الرؤى السياسية أمر طبيعي، لكن الاحتكام في نهاية المطاف يجب أن يكون للمؤسسات الدستورية لا لموازين القوة.

لقد أثبتت التجربة السودانية أن الاستقرار الدائم لا يتحقق بإقصاء الخصوم ولا بتغليب طرف على آخر، وإنما ببناء عقد سياسي جديد يضمن المشاركة والحقوق والمساءلة. ومن هذا المنطلق، يرى أنصار ثورة ديسمبر أن الدفاع عن مبادئ الثورة ليس دفاعًا عن مرحلة سياسية بعينها، بل عن فكرة الدولة التي يكون فيها الشعب مصدر الشرعية، ويُحتكم فيها إلى القانون والدستور، لا إلى القوة أو التفويضات الاستثنائية.

قد تختلف المواقف السياسية وتتباين القراءات، لكن ما يبقى ثابتًا هو أن مستقبل السودان لن يصنعه إلا السودانيون عبر توافق وطني وإرادة شعبية حرة، وأن أي مشروع يسعى إلى تجاوز هذا المبدأ سيظل محل نقاش ومعارضة من قطاعات ترى في أهداف ثورة ديسمبر إطارًا لبناء دولة أكثر عدلًا ومشاركة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.