بين “المقاومة الشعبية” وحكم الظل: هل تحولت النيل الأبيض إلى مركز لإعداد المليشيات الإسلامية؟
تقرير ـ عين الحقيقة
ويرى مراقبون أن الولاية باتت تدار فعلياً عبر “حكومة ظل” يمثل فيها الإسلاميون العصب الحركي والعسكري، مستغلين حالة السيولة الأمنية وحاجة الجيش للمداد البشري لفرض أجندتهم السياسية وإعادة تموضعهم في المشهد السوداني
في وقتٍ تتصاعد فيه وتيرة المواجهات العسكرية في السودان، تسلط الأضواء مجدداً على ولاية النيل الأبيض، التي تحولت وفقاً لمراقبين وتقارير ميدانية إلى ما يشبه المركز القومي لإعادة إنتاج وتدريب المليشيات المسلحة تحت غطاء “المقاومة الشعبية”.
ورغم محاولات الخطاب الرسمي إضفاء طابع التنظيم والمؤسسية على هذه التحركات، فإن التسريبات والتقارير الموازية تكشف عن واقع مغاير يثير مخاوف واسعة من تمدد نفوذ التيارات الإسلامية وسيطرتها على مفاصل القرار العسكري والسياسي بالولاية.
مؤخراً شهدت محلية “ربك” زيارة لوفد ما تسمي باللجنة القومية للمقاومة الشعبية برئاسة الفريق ركن بشير مكى الباهي، تزامنًا مع تخريج دفعة جديدة تضم أكثر من 600 مستنفر ومستنفرة.

الزيارة التي حظيت باحتفاء إعلامي رسمي كبير، حملت إشادة واسعة من الفريق الباهي بتقرير اللجنة العليا للفترة من يناير حتى يوليو 2026، واصفاً تجربة النيل الأبيض بأنها “الأولى على مستوى السودان” من حيث الالتزام باللوائح والتقارير الدورية، متجاوزةً بقية الولايات.
كما أعلن والي الولاية، قمر الدين محمد فضل المولى، عن دعم محلية ربك بمبلغ 100 مليون جنيه لفتح المزيد من المعسكرات، معلناً في الوقت نفسه عن توفير منظومة دفاع جوي لحماية الأعيان المدنية من هجمات المسيرات.
ورغم أن الخطاب الرسمي يحاول تسويق هذا التناغم بين المتقاعدين العسكريين، الشباب المدني، والقطاعات الاقتصادية الممولة كنموذج لـ”إدارة الأزمة الشاملة”، إلا أن التمحيص في هوية القائمين على هذا الحراك يفتح الباب أمام قراءة مغايرة تماماً. و خلف واجهة الاستنفار الشعبي المنظم، تؤكد تقارير متطابقة من داخل الولاية أن السيطرة الفعلية على الأرض وفي غرف اتخاذ القرار باتت في يد ما يُعرف بقوات العمل الخاص.
و تشير المصادر إلى أن هذه القوات يقودها القيادي الإسلامي والجهادي السابق في حرب جنوب السودان، شهاب الدين برج. ووفقاً لتقارير محلية، فإن نفوذ “برج” وتياره الإسلامي لم يعد مقتصرًا على التعبئة الحزبية، بل امتد ليتدخل مباشرة في قرارات القيادة العسكرية للفرقة 18 مشاة التابعة للجيش بالولاية.
ويرى مراقبون أن الولاية باتت تدار فعلياً عبر “حكومة ظل” يمثل فيها الإسلاميون العصب الحركي والعسكري، مستغلين حالة السيولة الأمنية وحاجة الجيش للمداد البشري لفرض أجندتهم السياسية وإعادة تموضعهم في المشهد السوداني؟
الدلالات الخطيرة التي حملتها تصريحات قادة الاستنفار بالنيل الأبيض تتجاوز فكرة الدفاع المؤقت عن الأرض، فقد أكد اللواء خالد إبراهيم أحمد أن التدريب تحول من “رد فعل ظرفي إلى عقيدة ثابتة”، وسط حماس لافت من رؤساء المقاومة الشعبية في محليات (ربك، كوستي، والجبلين) للاستمرار في فتح المعسكرات.
الأبرز في هذا التحول هو التوجيه الرسمي بالاستفادة من هؤلاء المجندين في إطار “الشرطة المجتمعية”.
وفي حين يرى الخطاب الحكومي في هذه الخطوة تخفيفاً للعبء عن الأجهزة الأمنية ومحاربةً لـ”الطابور الخامس”، ينظر إليها خبراء أمنيون باعتبارها خطوة متقدمة نحو “شرعنة المليشيات وتأسيس جيش احتياطي عقائدي موازٍ” يمتلك صلاحيات الأمن والقبض والتحكم المجتمعي، مما يؤسس لمرحلة جديدة من الفوضى المسلحة بعد انقشاع الحرب الحالية. هيكلة المشهد والسيناريوهات القادمة توضح المؤشرات الحالية تصادمًا واضحاً بين القراءتين الرسمية والتحليلية لواقع الولاية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.