معسكرات جوري عيل.. هل تمول السعودية برنامجاً لإعداد قوة صومالية للقتال في السودان؟

تحقيق : مجاهد بشرى

تشير معلومات حصل عليها التحقيق من مصدر أمني صومالي مطلع، إلى وجود برنامج تدريبي عسكري واسع في منطقة جوري عيل (Guriceel) بولاية غلمدغ وسط الصومال، بتمويل سعودي، يستهدف إعداد قوة صومالية ذات مهام خاصة. وبحسب المصدر، فإن وفداً عسكرياً سعودياً زار في 29 يونيو 2026 معسكرين للتدريب في المنطقة، ضمن مشروع تموله المملكة العربية السعودية لتأهيل قوات صومالية. ووفق المعلومات ذاتها، يبلغ عدد العناصر التي تخضع للتدريب نحو 5107 جنود، بينهم نحو 2000 عنصر جرى تجنيدهم من شمال شرق الصومال (إقليم بونتلاند) وهؤلاء يخضعون لمسار تدريبي خاص لإعدادهم لمهام نوعية. ولم يصدر حتى الآن إعلان رسمي من الحكومة الصومالية أو السعودية حول تفاصيل هذا البرنامج.

معسكر غير معلن في قلب غلمدغ

وتدعم هذه المعلومات شهادات متقاطعة من سكان محليين في منطقة جوري عيل، أفادوا بوجود تحركات عسكرية منتظمة خلال الفترة الأخيرة، تمثلت في توافد مجموعات من المجندين إلى مواقع التدريب، وحركة مركبات عسكرية داخل المنطقة ومحيطها، إضافة إلى رصد وجود أفراد أجانب بزي عسكري. ولم يتمكن التحقيق من تحديد هويات هؤلاء الأجانب أو الجهات التي ينتمون إليها بشكل مستقل، إلا أن هذه الشهادات تتقاطع مع المعلومات التي تحدثت عن وجود برنامج تدريبي عسكري واسع في المنطقة.

جوري عيل.. عقدة أمنية وسط الصومال

تقع جوري عيل (Guriceel) في محافظة جلجدود (Galgaduud) ضمن ولاية غلمدغ (Galmudug) في وسط الصومال. وتكتسب المنطقة أهمية أمنية بسبب موقعها الجغرافي، حيث تقع في منطقة وسطى تربط بين عدة مناطق استراتيجية في الصومال، وهي قريبة من مناطق شهدت خلال السنوات الماضية نشاطاً مكثفاً لحركة الشباب وعمليات عسكرية متكررة ضدها، خصوصاً في محيط جلجدود وهيران.

ويعزز من أهمية جوري عيل وجود مطار محلي يخدم المدينة، يحمل رمز IATA: GUO ورمز ICAO: HCGU، ويقع عند الإحداثيات التقريبية 5.317° شمالاً و45.985° شرقاً. ويوفر المطار إمكانات لوجستية لنقل الأفراد والإمدادات جواً إلى وسط الصومال، في وقت لا تزال فيه الحركة البرية في عدد من المناطق عرضة للتهديدات الأمنية.

ورغم عدم وجود معلومات معلنة تربط المطار مباشرة بالبرنامج التدريبي، إلا أن شهادات السكان المحليين تشير إلى وجود حركة طيران متزايدة.

تشكيل قوة بمهام خاصة؟

وحول طبيعة البرنامج التدريبي وفقاً للمصدر الأمني نفسه، فإن البرنامج لا يقتصر على التدريب العسكري التقليدي، بل يهدف إلى تجهيز عناصر لـ مهام خاصة. وتشير هذه العبارة عسكرياً إلى احتمالات مثل: قوات عمليات خاصة، قوات تدخل سريع، ووحدات استطلاع ومهام خلف خطوط العدو، ووحدات لحماية وتأمين أهداف استراتيجية. ويرى المصدر أن حجم القوة، البالغ أكثر من خمسة آلاف عنصر، قد يتجاوز فكرة تشكيل وحدة صغيرة، وربما يكون أقرب إلى إعداد قوة متعددة الكتائب، مع احتمال اختيار عناصر نخبوية منها للمهام الأكثر حساسية.

قوات جوري عيل إلى السودان؟

وكشف ضابط صومالي من بونتلاند، قال إنه يشارك في البرنامج التدريبي، أن القوة التي يجري إعدادها لا يُخطط لبقائها داخل الصومال، بل يجري تجهيزها، بحسب قوله، للانتشار في السودان والقتال إلى جانب الجيش السوداني. ولم يتمكن التحقيق من التحقق بشكل مستقل من هذه المعلومة، كما لم يصدر أي تعليق رسمي من السلطات الصومالية أو السودانية أو السعودية يؤكد أو ينفي هذا الادعاء.

وتأتي هذه الإفادة في وقت سبق أن أشارت فيه تقارير منشورة خلال عام 2026 إلى وجود تعاون عسكري بين الجيش السوداني ومؤسسات أمنية صومالية في مجال تدريب مجندين داخل ولاية غلمدغ، وهو ما يضفي أهمية إضافية على تتبع طبيعة البرنامج الجاري في جوري عيل.

ويتقاطع ذلك مع تقرير نشره موقع “أفريكا إنتلجنس” في ١٤ فبراير ٢٠٢٦، تحدث عن وجود فريق عسكري سوداني يجري برنامجاً تدريبياً في وسط الصومال، وهي معلومات تضيف سياقاً إلى التساؤلات حول طبيعة برنامج التدريب العسكري الجارية في المنطقة.

بونتلاند.. الخبرة العسكرية

بحسب المصدر نفسه، فإن نحو 2000 مجند ضمن البرنامج تم اختيارهم من منطقة بونتلاند في شمال شرق الصومال. وفي هذا السياق، يرى صحفي وباحث صومالي متخصص في قضايا القرن الإفريقي فضل حجب اسمه، بأن اختيار هذا العدد من إقليم بونتلاند ضمن القوة التي يجري إعدادها في جوري عيل قد يرتبط بالطبيعة الخاصة لهذا الإقليم داخل التركيبة الصومالية.

ويقول الباحث الصومالي: إن بونتلاند، التي تأسست عام 1998 كإدارة ذاتية ضمن الصومال الفيدرالي، تمتلك مؤسسات أمنية وعسكرية أكثر تطوراً مقارنة بعدد من الأقاليم الأخرى، ولديها خبرة طويلة في مواجهة الجماعات المسلحة، خاصة حركة الشباب وتنظيم داعش في مناطق جبال غوليس.

ويضيف أن بونتلاند تتمتع بتركيبة اجتماعية متماسكة، ويشكل الدارود، وخاصة عشيرة المجرتين المكون الاجتماعي والسياسي الأبرز في الإقليم، والتي لعبت أدواراً بارزة في المؤسسة العسكرية والسياسية الصومالية. لذلك فإن الاعتماد على مجندين من بونتلاند قد يكون مرتبطاً بتوفر خبرة قتالية وانضباط عسكري، إضافة إلى الرغبة في إدماج عناصر من إقليم يمتلك تقاليد أمنية قوية ضمن قوة ذات مهام خاصة على المستوى الفيدرالي.

مدربون أجانب خلف البرنامج

بحسب المعلومات المتوفرة من المصدر، يشرف على التدريب مدربون أجانب من رومانيا، أوكرانيا، جنوب أفريقيا، وكولومبيا. ولا توجد حتى الآن معلومات علنية مؤكدة حول طبيعة العقود أو الجهات التي يمثلها هؤلاء المدربون. ولا يتضح ما إذا كان هؤلاء المدربون يعملون عبر عقود حكومية مباشرة أو شركات أمنية خاصة.

رد وزارة الدفاع الصومالية

وتواصل التحقيق مع وزارة الدفاع الصومالية للحصول على تعليق حول المعلومات المتعلقة بالبرنامج التدريبي في جوري عيل، إلا أنه لم يتلق رداً حتى موعد النشر.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.