أدخلت الوثيقة التي تسربت في الأيام الماضية من مكتب قائد الجيش، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، أوساط معسكر بورتسودان من الأطراف العسكرية والسياسية في حالة من التشكيك والجدل السياسي الواسع، بما يكاد ينزع الثقة بشأن مستقبل استمرار التحالف بين الإسلاميين وأطراف اتفاق جوبا، الذين يمثلون القوات «المشتركة»، بعد أن كشفت تقارير صحفية، وتقاطعت معها إفادات مصادر مطلعة، عن وثيقة تتضمن تصورًا لإعادة ترتيب الحكم خلال المرحلة المقبلة بيد البرهان، باعتباره قائد الجيش السوداني.
تراجع إعلام القوات المشتركة، لا سيما الفاعلين منهم، وقلة حماسهم في بث المواقف الداعمة للجيش، إلى جانب فتور العلاقة بينهم وبين صحفيي الحركة الإسلامية الداعمين لاستمرار الحرب..
وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار أزمة الثقة وتعثر مساعي التوصل إلى وفاق سياسي بين حلفاء بورتسودان، الأمر الذي منح التسريب أهمية استثنائية، خاصة مع تزامن اختفاء رئيس حركة تحرير السودان من المشهد، دون أن يبدي رأيه في القضايا كما كان في السابق وبالحماس نفسه. وهي خطوة اعتبرها متابعون جزءًا من إعادة النظر من قبل الأطراف الموقعة على اتفاق جوبا تجاه دعم الجيش والإسلاميين في استمرار الحرب والدخول في معارك جديدة.
والملاحظ على أرض الواقع تراجع إعلام القوات المشتركة، لا سيما الفاعلين منهم، وقلة حماسهم في بث المواقف الداعمة للجيش، إلى جانب فتور العلاقة بينهم وبين صحفيي الحركة الإسلامية الداعمين لاستمرار الحرب، وهو ما تسببت فيه الحملات الممنهجة التي تقودها استخبارات الجيش والإسلاميون لبث خطاب الكراهية تجاه القوات المشتركة عبر واجهاتهم الإعلامية في الداخل والخارج، من خلال الترويج لاتهامات تتعلق بتجارة المخدرات والسرقة والنهب من قبل القوات المشتركة، وهو ما فاقم الأزمة وأضر بالعلاقة بين أطراف اتفاق جوبا، وعلى رأسهم مناوي، والإسلاميين، وقائد الجيش السوداني.
وفي ذات الاتجاه، لم يُرضِ تحرك مناوي في أديس أبابا، خلال اجتماعه مع الآلية الخماسية، قائدَ الجيش والإسلاميين، باعتبار أن مني أركو مناوي، قائد حركة/جيش تحرير السودان، وهو الفصيل الأقوى، وضع يده في يد خصوم الإسلاميين من تحالفي «صمود» و«تأسيس» والقوى المدنية التي تناهض البرهان وتقف في وجه تحقيق طموحه.
إلى ذلك، يتوقع محلل سياسي فضل حجب اسمه لـ«عين الحقيقة» أن قائد الجيش وقيادات الحركة الإسلامية المقربين منه باتوا في ربكة حقيقية، بعد أن فشلت كل مخططاتهم الرامية إلى الانفراد بالسلطة وإقصاء الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا من المشهد تمامًا، عبر استخدام آليات إعلامية وسياسية تستهدف وضع شعبيتهم وداعميهم على المحك، حتى تفقد القوات المشتركة زمام المبادرة في الحرب، وتفرض شروطها على قائد الجيش، باعتبارها الحليف القوي القادر على فرض شروطه. وأضاف المحلل أن مناوي واعٍ بما يُحاك ضده من قبل الإسلاميين والبرهان، على الرغم من أن جبريل إبراهيم، قائد حركة العدل والمساواة، طرف أصيل في اتفاق جوبا والقوات المشتركة، إلا أنه يهادن الإسلاميين في كل مواقفه، ولم يشكل مصدر انزعاج لهم بأي شكل.
محلل: الفريق البرهان استشعر خطورة مواقفه ومناوراته، ولربما يتحرك لتلافي هزة الثقة بينه وبين حلفائه من أطراف اتفاق جوبا، ولو لفترة مؤقتة، حتى يضمن مشاركة القوات المشتركة في المعارك على الأرض بالفاعلية والقوة السابقتين
وطبقًا للمحلل السياسي، فإن الفريق البرهان استشعر خطورة مواقفه ومناوراته، ولربما يتحرك لتلافي هزة الثقة بينه وبين حلفائه من أطراف اتفاق جوبا، ولو لفترة مؤقتة، حتى يضمن مشاركة القوات المشتركة في المعارك على الأرض بالفاعلية والقوة السابقتين، إلا أن الأمر أصبح مختلفًا تمامًا، وأصبحت زعزعة الثقة بين أطراف حكومة بورتسودان، لا سيما قيادات القوات المشتركة، في حكم المؤكد، ولربما يقود ذلك إلى اتخاذ مناوي والفاعلين العسكريين في القوات المشتركة خطوات أخرى يصعب على قائد الجيش، المدعوم من السعودية ومصر، احتواؤها.
وقال المحلل إن الوثيقة، كما عرضتها التقارير الصحفية وإفادات المصادر المطلعة، لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد ورقة عابرة، بل تمثل تصورًا سياسيًا متكاملًا لإعادة هندسة السلطة عبر المؤسسات الدستورية، بما يمنح القيادة العسكرية نفوذًا طويل الأمد تحت غطاء قانوني.
وأضاف أن ما يمنح الوثيقة وزنًا سياسيًا ليس فقط ما ورد فيها، وإنما تزامنها مع خطوات عملية شهدتها مؤسسات الدولة خلال الأيام الأخيرة، الأمر الذي يعزز الانطباع بأن هناك مسارًا يجري تنفيذه بصورة تدريجية من قبل قائد الجيش، وليس مجرد أفكار مطروحة للنقاش.
وأشار المحلل إلى أن حكومة بورتسودان قد تلجأ إلى تقديم الوثيقة لاحقًا باعتبارها «مسودة» أو «ورقة غير معتمدة» إذا تصاعدت الاعتراضات عليها من أطراف اتفاق جوبا، وهو أسلوب قال إنه يُستخدم أحيانًا لاختبار ردود الفعل السياسية والشعبية قبل الانتقال إلى تنفيذ الأفكار تدريجيًا أو إعادة طرحها بصيغ مختلفة. وأضاف أن هذا النهج يسمح بامتصاص الضغوط، مع الإبقاء على جوهر المشروع السياسي دون التخلي عنه، لافتًا إلى أن التجارب السياسية في المنطقة أظهرت أن كثيرًا من الخطط تبدأ بوثائق غير رسمية قبل أن تتحول لاحقًا إلى قرارات وإجراءات واقعية.
وأكد أن استمرار إعادة ترتيب مؤسسات الدولة بصورة أحادية من شأنه أن يعمق أزمة الثقة بين الأطراف السودانية، ويضعف فرص بناء عملية سياسية تستند إلى المشاركة والتوافق، مشيرًا إلى أن أي انتقال مستدام يحتاج إلى مؤسسات مستقلة تحظى بقبول واسع، لا إلى مؤسسات يُنظر إليها باعتبارها نتاجًا لموازين القوة.
تعكس مساعي قائد الجيش، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، مسارًا يتجه نحو إعادة ترتيب هياكل السلطة عبر أدوات متعددة وفاعلين مختلفين،
ويرى مراقبون أن توقيت هذه التحركات يحمل دلالات خاصة، إذ يأتي في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية لإنهاء الحرب وإطلاق عملية سياسية شاملة، الأمر الذي يجعل أي خطوات تتعلق بإعادة توزيع السلطة أو إعادة تشكيل المؤسسات محل تدقيق داخلي وخارجي. وقال المحلل إن الأزمة في السودان لم تعد تقتصر على الصراع العسكري، بل أصبحت أيضًا صراعًا حول شكل الدولة وهوية السلطة التي ستدير المرحلة المقبلة، بما يضمن استمرار وجود الإسلاميين عبر الفريق البرهان في المشهد، مضيفًا أن أي مشروع يُنظر إليه على أنه يهدف إلى تركيز السلطة في يد طرف واحد سيواجه تحديات سياسية كبيرة، حتى وإن اتخذ غطاءً دستوريًا أو قانونيًا.
وختم المحلل حديثه لـ«عين الحقيقة» بالقول إن السودانيين يتطلعون إلى انتقال يؤسس لدولة المؤسسات وسيادة القانون، لا إلى ترتيبات تعيد إنتاج مراكز القوة بصيغ جديدة، معتبرًا أن مستقبل الاستقرار في البلاد سيظل مرتبطًا بمدى قدرة القوى الفاعلة على بناء سلطة تستند إلى التوافق الوطني، وليس إلى إجراءات أحادية تزيد من تعقيد المشهد السياسي.
وتعكس مساعي قائد الجيش، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وفق ما أوردته تقارير صحفية وإفادات مصادر مطلعة، مسارًا يتجه نحو إعادة ترتيب هياكل السلطة عبر أدوات متعددة وفاعلين مختلفين، في خطوة يرى مراقبون أنها قد تعمق الانقسام السياسي وتزيد من تعقيد فرص الوصول إلى انتقال مدني قائم على التوافق.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.