هل يطيل «البرهان» الحرب للبقاء في السلطة وإقصاء حلفائه؟

تقرير: عين الحقيقة

في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية لإنهاء الحرب في السودان، وتتفاقم كلفتها الإنسانية والسياسية منذ اندلاعها في أبريل 2023، تبدو التحركات الأخيرة لقائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، مركزة بصورة متزايدة على إعادة ترتيب السلطة في بورتسودان، في مقابل غياب أي مؤشرات عملية على اقتراب مسار سلام شامل يضع حدًا للصراع الذي مزق البلاد.

وتشير جملة من المعطيات المتزامنة إلى ملامح مرحلة جديدة في المشهد السياسي السوداني، تبدأ بتعيينات في المحكمة الدستورية، وتمر بالحديث عن «التوافق الوطني» عبر واجهات الحركة الإسلامية في الإدارة الأهلية، بقيادة الناظر محمد الأمين ترك.

وفي هذا السياق، كشفت مصادر مطلعة لـ«عين الحقيقة» أن البرهان أصدر قرارًا بتعيين خمسة أعضاء جدد في المحكمة الدستورية، في خطوة رأى مراقبون أنها تنطوي على أبعاد سياسية ودستورية تتجاوز مجرد سد الشواغر.

وجاء القرار بعد أيام من تداول وثيقة سياسية مسربة من مكتب رئيس مجلس السيادة في بورتسودان، الفريق أول البرهان عبدالفتاح البرهان، تضمنت ترتيبات لإدارة البلاد خلال مرحلة انتقالية تمتد خمسة أعوام، يتولى البرهان رئاستها، مع تشكيل حكومة تكنوقراط، وإعادة توزيع صلاحيات مؤسسات الدولة.

ورغم عدم صدور بيان بالنفي أو التأكيد من سلطات بورتسودان بشأن الوثيقة المسربة من مكتب رئيس مجلس السيادة خلال الأيام الماضية، فإن تزامنها مع إعادة تشكيل المحكمة الدستورية أثار تساؤلات حول اتجاه السلطة في بورتسودان إلى تهيئة البيئة القانونية والدستورية لمرحلة سياسية جديدة تمنح الجيش السوداني وقيادته دورًا أكثر رسوخًا في إدارة الدولة.

وفي خضم المتغيرات السياسية في بورتسودان، عاد البرهان ليتحدث عن ضرورة تحقيق «التوافق الوطني» باعتباره المدخل لأي انتقال سياسي، إلا أن هذا الطرح واجه انتقادات واسعة من شخصيات سياسية ومراقبين، يرون أن الحديث عن توافق شامل، بينما تستمر الحرب وعمليات النزوح والانتهاكات، يفتقر إلى الأساس الواقعي.

وفي هذا السياق، قال الكاتب والمحلل السياسي عمار سعيد إن البرهان يفتقر إلى المصداقية في حديثه عن التوافق الوطني، معتبرًا أن السنوات الماضية شهدت تراجعًا عن تفاهمات واتفاقات سياسية أسهمت في تآكل الثقة بين الأطراف السودانية.

وأشار سعيد إلى أن الحرب خلقت واقعًا بالغ التعقيد، تمثل في نزوح ولجوء ملايين السودانيين، وانهيار أجزاء واسعة من مؤسسات الدولة، وهو ما يجعل الحديث عن توافق وطني شامل، في ظل استمرار العمليات العسكرية، فاقدًا للمقومات التي تضمن مشاركة سياسية حرة وآمنة لجميع السودانيين.

ويرى سعيد أن ربط مستقبل السلطة أو الانتقال السياسي بتحقيق «تراضٍ وطني»، وفق الصيغة التي يطرحها البرهان، قد يتحول عمليًا إلى وسيلة لإطالة أمد المرحلة الراهنة وتأجيل أي انتقال ديمقراطي، بحيث تصبح الحرب هي الإطار الذي تُدار داخله العملية السياسية، بدلًا من أن تكون التسوية السياسية مدخلًا لإنهاء الحرب نفسها.

ولا تقتصر التحديات التي تواجه البرهان على الداخل السوداني، إذ تتزامن هذه التحركات مع تصاعد الضغوط الدولية على سلطات بورتسودان. فقد صعدت الولايات المتحدة موقفها داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، مطالبة بالسماح بإجراء عمليات تفتيش دولية غير مقيدة على مواقع مرتبطة ببرنامج الأسلحة الكيميائية، كما أعلنت، الأسبوع الماضي، دخول حزمة ثانية من العقوبات حيز التنفيذ، تشمل قيودًا مالية وتجارية، وتوسيعًا للعقوبات المرتبطة بالتعامل مع السودان.

وتعكس هذه الضغوط، بحسب محللين، تراجع هامش المناورة أمام قائد الجيش السوداني، الأمر الذي قد يدفعه إلى تعزيز قبضته على مؤسسات الدولة، تحسبًا لأي استحقاقات سياسية أو ضغوط خارجية خلال المرحلة المقبلة.

كما تطرح التحركات الأخيرة للبرهان، بدعم من المملكة العربية السعودية، تساؤلات بشأن مستقبل التحالفات التي اعتمد عليها الجيش منذ اندلاع الحرب. فقد خاض الجيش المعارك إلى جانب عدد من التشكيلات المسلحة والقوى السياسية، من بينها فصائل اتفاق جوبا للسلام «القوات المشتركة»، إضافة إلى الحركة الإسلامية بكتائبها المسلحة، التي دعمت الجيش سياسيًا وإعلاميًا خلال الحرب.

إلا أن أي مشروع لإعادة بناء السلطة بصورة مركزية في يد قائد الجيش وحده قد يعيد رسم العلاقة مع هذه الأطراف، خاصة إذا شعرت بأن نفوذها أو حصتها في ترتيبات ما بعد الحرب لم تعد مضمونة.

ويرى مراقبون أن الحديث عن حكومة تكنوقراط أو إعادة هيكلة مؤسسات الدولة قد يفتح الباب أمام تقليص مشاركة وحصة الحلفاء في السلطة، الذين شكلوا جزءًا من التحالف الداعم للجيش خلال السنوات الماضية.

وفي المقابل، يمضي البرهان وأنصاره في هذه التحركات باعتبارها جزءًا من إعادة بناء مؤسسات الدولة التي تضررت بفعل الحرب. ويبرر أنصاره ذلك بأن الحفاظ على وحدة المؤسسات يمثل شرطًا أساسيًا لأي عملية انتقالية ناجحة، وأن تحقيق الاستقرار الأمني يسبق أي ترتيبات سياسية واسعة.

لكن ثمة فاعلين في المجتمع المدني ينتقدون هذا الطرح، ويرون أن الأولوية يجب أن تكون لوقف إطلاق النار، وفتح ممرات إنسانية، وإطلاق عملية سياسية شاملة تضم جميع الأطراف، بدلًا من الانشغال بإعادة تشكيل مؤسسات الحكم في ظل استمرار القتال.

وبين الضغوط الدولية، وإعادة ترتيب المؤسسات الدستورية، واستمرار خطاب البرهان وأنصاره وحلفائه الإقليميين، «السعودية ومصر»، حول «التوافق الوطني»، يقف البلاد أمام مفترق طرق سياسي حاسم.

فإما أن تتحول هذه التحركات إلى مدخل لإنهاء الحرب وإطلاق انتقال سياسي حقيقي، أو أن تُقرأ باعتبارها محاولة لإعادة إنتاج سلطة عسكرية تقوض مصالح الشعب السوداني تحت مظلة الحرب، وهو ما قد يطيل أمد الأزمة ويعمق الانقسام السياسي في بلد أنهكته الحرب، والانهيار الاقتصادي، والكارثة الإنسانية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.