التصعيد الأميركي بملف الكيماوي: السيناريوهات المتوقعة في الأيام القادمة وهل انتقل الملف إلى تهديد الأمن الدولي؟

 أواب عزام البوشي

 

ملف الأسلحة الكيميائية ليس وليد اللحظة، بل يتحدث عنه المجتمع الدولي منذ أكثر من ثمانية أشهر، وتحديداً منذ وقوع الهجمات في سبتمبر 2024. لكن الفارق هذه المرة أن واشنطن خرجت باتهام واضح وصريح وقوي، لم تترك فيه مجالاً للتأويل، حين أعلنت أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية في عام 2024، ورفضت الاعتراف بتقرير اللجنة الوطنية، وطالبت بتحقيق دولي فوري.

هذا التصعيد، الذي جاء بعد أيام من عقوبات 25 يونيو، يطرح سؤالاً مصيرياً: لماذا تحركت واشنطن الآن بهذه القوة؟ وما السيناريوهات المتوقعة في الأيام القادمة؟

لماذا هذه المرة مختلفة؟ الأدلة تتحدث :-

ما يجعل الاتهام الأميركي هذه المرة مختلفاً هو أن واشنطن لم تتحدث عن اشتباه أو تلميحات، بل تحدثت بلغة القطع واليقين، وهو ما يعني أنها تمتلك أدلة ملموسة وشهوداً تدعم موقفها.

فقد كشف تحقيق استقصائي لقناة فرانس 24 تفاصيل صادمة، حيث تمكن فريق “مراقبون” من تحديد مواقع الهجمات التي وقعت في 5 و13 سبتمبر 2024 بالقرب من مصفاة الجيلي للنفط شمال الخرطوم، باستخدام تقنيات التحقيق مفتوحة المصدر. ووثق التحقيق مقاطع فيديو تظهر براميل تحتوي على غاز الكلور، أحدها يحمل الرقم التسلسلي “GC-1983-1715″، وتمكن الفريق من تحديد مصدر هذه البراميل بدقة. فقد تبين أن شركة هندية اسمها “كيمترايد إنترناشونال كوربورايشن” هي التي صدرت هذه البراميل إلى السودان، وأنها كانت جزءاً من شحنة تضم 17 برميلاً وصلت إلى ميناء بورتسودان في أغسطس 2024، أي قبل أقل من ثلاثة أسابيع من استخدامها في الهجمات.

الأخطر في التحقيق هو كشف أن المستورد الرسمي لهذه البراميل هو شركة “الموانئ الهندسية”، وهي شركة سودانية مرتبطة بالجيش ويديرها عقيد بحري يدعى أنس يونس، يعمل ضمن منظومة الصناعات الدفاعية السودانية التي تخضع للعقوبات الدولية. ولم تتوقف الأدلة عند هذا الحد، فقد كشفت التحقيقات أن شركة الموانئ الهندسية قدمت ذريعة استخدام الكلور لتنقية المياه في منطقة “طويلة” بولاية النيل الأبيض، لكن منظمة اليونيسف أكدت أنها لم تتعامل مع هذه الشركة على الإطلاق، وأن شبكة مياه طويلة لا تستخدم غاز الكلور، بل تستخدم مسحوق الكلور، كما أن رقم البرميل لا يتطابق مع أي برميل تم توريده من قبل اليونيسف.

ولم تقتصر الأدلة على تحقيق فرانس 24، بل تداولت منظمات حقوقية وتقارير إعلامية أخرى معطيات تدعم ذات الاتجاه، ما يجعل الملف أكثر من مجرد اتهام سياسي، بل قضية تستوجب تحقيقاً دولياً مستقلاً.

وهذا يعني أن ذريعة “تنقية المياه” كانت مجرد غطاء لاستيراد مادة مزدوجة الاستخدام وتحويلها إلى جهد حربي، وهو ما يضع الشركة ومديرها والجيش السوداني في دائرة المساءلة الدولية.

المماطلة والمراوغة: لماذا تحركت واشنطن الآن؟

ما يفسر تحرك واشنطن بهذه القوة الآن هو أن البرهان ظل لشهور يماطل ويراوغ، ويرفض الموافقة على المقترح الأميركي لإنهاء الحرب في السودان بسرعة. فالإدارة الأميركية كانت واضحة منذ البداية: المطالب واضحة ومحددة، وتشمل وقفاً فورياً لإطلاق النار، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية، والانتقال إلى حكومة مدنية. لكن البرهان، بدلاً من الامتثال، لجأ إلى التسويف والمماطلة، في محاولة لكسب الوقت وتعقيد المشهد.

واشنطن، التي تدرك أن أمنها القومي ومصالحها في البحر الأحمر ومنطقة الساحل مرتبطة باستقرار السودان، لم تكن لتقبل بهذا المماطلة إلى الأبد. فكل يوم يمر دون حل يعني استمرار الفوضى، وتهديداً لأمن المنطقة، وامتداداً للأزمة الإنسانية التي تهدد ملايين السودانيين. والسودان ليس مجرد دولة في أزمة، بل هو بوابة البحر الأحمر وممر استراتيجي يهم الأمن القومي الأميركي، وأي فوضى فيه تهدد الملاحة الدولية ومصالح واشنطن في المنطقة.

وهنا يأتي دور ملف الكيماوي كورقة ضغط أخيرة. فبعد أن فشلت كل الوسائل الدبلوماسية التقليدية في إقناع البرهان بالتنازل، قررت واشنطن رفع الرهان واستخدام أخطر ورقة في جعبتها. فهي تعرف تماماً أن البرهان، في النهاية، شخص يمكن محاصرته دولياً، وأن أمنها القومي لا يسمح لها بالتردد أو التهاون.

تحركات الكونغرس: مؤشر مبكر :-

ما يؤكد أن التحركات الأميركية كانت مخططاً لها وليست رد فعل عابراً، هو أن الكونغرس بدأ تحركاته التشريعية منذ بداية يونيو، أي قبل بيان منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. ففي 9 يونيو، أقرت لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب مشروع القانون H.R. 1939 الخاص بالسودان، والذي تضمن حزمة واسعة من الإجراءات، منها مشروع تجميد عضوية السودان في الأمم المتحدة وتصنيف أطراف النزاع كجماعات إرهابية. هذا التحرك المبكر يعكس أن واشنطن كانت تمهد الطريق لما هو أشد قسوة، وأن البيان الأخير ليس مجرد رد فعل، بل حلقة في سلسلة تصعيدية مخطط لها.

السيناريوهات المتوقعة :-

انطلاقاً من هذه المؤشرات، يمكن رسم خمسة سيناريوهات محتملة، مرتبة من الأقرب حدوثاً إلى الأبعد:

أولاً: توسيع دائرة العقوبات الشخصية والمؤسسية

هذا السيناريو الأقرب والأكثر ترجيحاً، حيث من المتوقع استهداف شخصيات عسكرية ومدنية مقربة من البرهان، بالإضافة إلى شركات ومؤسسات مالية تدعمه، في محاولة لتجفيف منابع التمويل وتعزيز العزلة.

ثانياً: الضغط على الحلفاء الإقليميين

لن تكتفي واشنطن باستهداف الخرطوم، بل ستضغط على دول مثل السعودية ومصر وتركيا لقطع أي دعم عن البرهان، تحت ذريعة التواطؤ في جريمة دولية، وهو ما يتجلى في مشاريع القوانين الأميركية التي تطالب بتقارير حول أنشطة الحكومات الأجنبية في السودان.

ثالثاً: هدنة مشروطة بتحقيق دولي من المرجح أن تشترط واشنطن أي هدنة أو وقف لإطلاق النار بقبول تحقيق دولي فوري وغير مشروط، وهو شرط يعتبر خطاً أحمر بالنسبة للبرهان، لأنه سيكشف حقائق قد تطيح به دولياً.

رابعاً: العزلة القانونية والدبلوماسية الكاملة

قد تصل الأمور إلى إحالة ملف الكيماوي إلى مجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية، وتجميد عضوية السودان في المنظمات الدولية، وهو سيناريو متقدم يتطلب مزيداً من التصعيد.

خامساً: تحرك أمني عسكري غير مباشر هذا السيناريو الأبعد والأكثر تطرفاً، وقد يصل إلى تفتيش منشآت يشتبه باحتضانها أسلحة كيماوية، لكنه وارد في حال ثبوت الأدلة بشكل قاطع واستمرار التعنت.

عاصفة على الكيزان وبرهان في مهب الريح:

ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل عاصفة حقيقية تضرب الكيزان، وبرهان يقف في قلبها. السؤال: هل يستطيع الصمود؟

المعطيات تشير إلى أنه يواجه اختباراً وجودياً غير مسبوق. فالعقوبات لم تعد اقتصادية فقط، بل قانونية وأمنية ودبلوماسية متكاملة. الأدلة المتزايدة، من فيديوهات وتقارير استقصائية وشهادات، تجعل ملف الكيماوي أخطر ملف واجهته حكومة السودان على الإطلاق. واشنطن، التي كانت واضحة في مطالبها منذ البداية، لم تتردد في استخدام هذه الورقة بعد أن أدركت أن البرهان لن يتنازل إلا تحت الضغط الأقصى.

والحقيقة أن البرهان، في النهاية، شخص يمكن محاصرته. فخياراته محدودة، ودائرة حلفائه تضيق يوماً بعد يوم، والضغوط الدولية تتزايد بشكل غير مسبوق. قد يحاول الاعتماد على المماطلة والمراوغة التي اعتادها، لكن هذه المرة مختلفة. فاللعبة تغيرت، والأدلة أصبحت في يد المجتمع الدولي، والوقت لم يعد في صالحه.

البرهان بين خيارين لا ثالث لهما :-

الأيام القادمة ستكون حاسمة. فبرهان اليوم يقف في قلب عاصفة لم يشهد لها مثيلاً، ومحاولات التقليل من التصعيد أو الاعتماد على المماطلة لن تنجح هذه المرة، لأن أوراق اللعبة تغيرت بشكل جذري. واشنطن، التي تعرف أن أمنها القومي مرتبط باستقرار السودان، لن تتردد في المضيّ قدماً في هذا الملف حتى النهاية.

البرهان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانصياع للمطالب الدولية والإقرار بمسؤولياته، أو المضي في طريق العزلة الذي لن ينتهي إلا بسقوطه السياسي. وأياً كان الخيار، فإن الأيام القادمة ستكون نهاية مرحلة وبداية أخرى في تاريخ السودان.

فهل يستطيع البرهان الصمود؟ أم أن هذه العاصفة ستكون نهايته الحتمية؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.