الشباب خارج غرفة القرار… لماذا تبدأ العملية السياسية ناقصة إذا غاب جيلها الأكبر؟

أبو القاسم فضل السيد

في كل عملية سياسية جادة، يبرز سؤال يتجاوز حدود التمثيل العددي إلى جوهر الشرعية السياسية نفسها: من يملك حق المشاركة في تصميم المستقبل؟ وعندما يُستبعد الشباب من اللجان التحضيرية التي ترسم مسار العملية السياسية، فإن القضية لا تتعلق بفئة اجتماعية تبحث عن مقعد إضافي، وإنما بغياب الشريحة الأكثر ارتباطًا بمستقبل الدولة، والأكثر تحملًا لتبعات القرارات التي تُتخذ اليوم.
السودان يعيش واحدة من أكثر لحظاته التاريخية تعقيدًا. فقد أعادت الحرب تشكيل المجتمع والدولة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، وخلقت واقعًا جديدًا أصبح فيه الشباب الفئة الأكثر تعرضًا للنزوح والبطالة والهجرة والتجنيد القسري وفقدان فرص التعليم والعمل. وفي المقابل، برز الشباب في المبادرات الإنسانية، وغرف الطوارئ، ولجان المقاومة، ومنظمات المجتمع المدني، ومشروعات الإغاثة، وصناعة الرأي العام، وإدارة العمل التطوعي في ظروف استثنائية كشفت عن قدرات تنظيمية وإدارية وسياسية لا يمكن تجاهلها.
هذه المفارقة تطرح سؤالًا مشروعًا: كيف يمكن أن يكون الشباب في مقدمة تحمل أعباء الحرب، ثم يتراجع حضورهم عندما تبدأ ترتيبات صناعة السلام؟
العملية السياسية ليست اجتماعًا بين القوى المتنافسة فحسب، وإنما عملية لإعادة بناء العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع. ولهذا فإن اللجان التحضيرية لا تؤدي وظيفة إجرائية محدودة، بل تحدد طبيعة المشاركين، وآليات الحوار، وأولويات التفاوض، وضمانات التنفيذ، والمعايير التي ستنتج عنها مؤسسات المرحلة المقبلة. ومن يشارك في هذه المرحلة المبكرة يمتلك تأثيرًا يتجاوز كثيرًا تأثير المشاركة في المراحل اللاحقة.
غياب الشباب عن هذه المرحلة ينعكس بصورة مباشرة على مضمون العملية السياسية. إذ تميل الأولويات إلى إعادة إنتاج القضايا التقليدية، بينما تتراجع ملفات المستقبل مثل التحول الرقمي، والاقتصاد المعرفي، وريادة الأعمال، والتعليم الحديث، والذكاء الاصطناعي، والعدالة المناخية، والإصلاح المؤسسي طويل الأمد، وهي ملفات ترتبط بصورة وثيقة بالأجيال الجديدة أكثر من ارتباطها بالنخب السياسية التقليدية.
التجارب الدولية تؤكد أن المشاركة الشبابية أصبحت عنصرًا أساسيًا في استدامة السلام. فالعديد من عمليات الانتقال السياسي أثبتت أن الاتفاقات التي صاغتها النخب وحدها واجهت صعوبات كبيرة في التنفيذ، بينما ارتفعت فرص النجاح عندما شاركت الفئات المجتمعية الواسعة، وفي مقدمتها الشباب، في تصميم العملية منذ مراحلها الأولى. فالمشاركة المبكرة تعزز الثقة، وتوسع قاعدة الملكية المجتمعية، وتقلل احتمالات رفض مخرجات الحوار لاحقًا.
غير أن التمثيل الشبابي لا ينبغي أن يتحول إلى إجراء رمزي أو واجهة شكلية. فوجود شاب أو شابين داخل لجنة واسعة لا يعني بالضرورة حضور الرؤية الشبابية. المشاركة الحقيقية تبدأ من معايير واضحة للاختيار تقوم على الكفاءة، والتنوع الجغرافي، والتمثيل الاجتماعي، والخبرة العملية، والقدرة على بناء التوافقات، مع ضمان مشاركة النساء والشباب من المناطق المتأثرة بالحرب والنازحين واللاجئين وذوي الإعاقة.
كما أن المطلوب لا يقتصر على زيادة عدد المقاعد، وإنما بناء آليات مؤسسية تضمن مساهمة الشباب في إعداد أوراق العمل، وصياغة أجندة الحوار، ومتابعة تنفيذ المخرجات، وتقييم الأداء بصورة دورية. فالمشاركة المؤثرة تُقاس بحجم التأثير في القرار، لا بعدد المقاعد حول الطاولة.
وفي الحالة السودانية تحديدًا، يكتسب هذا البعد أهمية إضافية. فالشباب كانوا القوة الاجتماعية الأوسع في الحراك الشعبي، والأكثر حضورًا في العمل الإنساني أثناء الحرب، والأكثر استعدادًا لدفع كلفة أي تسوية سياسية مستقبلية. ولذلك فإن أي عملية سياسية تُبنى من دون مساهمتهم الفاعلة تخاطر بفقدان جزء مهم من شرعيتها المجتمعية، وتفتح المجال أمام فجوة جديدة بين مؤسسات المرحلة الانتقالية والجيل الذي يفترض أن يحمل مسؤولية الدولة في العقود المقبلة.
إن بناء سلام مستدام لا يتحقق بإدارة توازنات القوى وحدها، وإنما بإدارة توازنات المجتمع أيضًا. والشباب ليسوا ملفًا قطاعيًا يُناقش في جلسة متخصصة، وإنما شريك في صياغة مستقبل الدولة، وعنصرًا أساسيًا في إنتاج الشرعية، وتجديد النخبة، وتعزيز الاستقرار.

لذلك فإن تمثيل الشباب داخل اللجنة التحضيرية للعملية السياسية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره استثمارًا في جودة العملية السياسية نفسها، وليس استجابة لضغوط فئوية أو استيفاءً لمتطلبات شكلية. فكل عملية سياسية تنجح بقدر ما تعكس المجتمع الذي تسعى إلى إعادة بنائه، وكل عملية تستبعد جيل المستقبل منذ لحظة التأسيس، تحمل في داخلها بذور أزمة قد تظهر عند أول اختبار حقيقي لتنفيذ مخرجاتها.

> ختاما: إن إشراك الشباب في اللجنة التحضيرية لا يرتبط بتوزيع المقاعد، وإنما يتصل بطبيعة الدولة التي يسعى السودانيون إلى بنائها. فالأجيال الجديدة تمثل الذاكرة التي ستروي هذه المرحلة، والعقل الذي سيقود مؤسساتها، واليد التي ستتولى تنفيذ ما يُتفق عليه اليوم. وكل عملية سياسية تعجز عن استيعاب هذه الحقيقة تؤسس لفجوة بين الحاضر والمستقبل، وتضعف قدرتها على إنتاج سلام يمتد أثره عبر الأجيال. فالدول الراسخة تُبنى عبر شراكة متوازنة بين الخبرة المتراكمة والطاقة المتجددة، وبين الحكمة التي يصنعها الماضي والرؤية التي يحملها المستقبل. ومن هذا المنطلق، فإن حضور الشباب في مرحلة التأسيس يمثل استثمارًا في شرعية الدولة المقبلة، ويعزز قدرتها على التجدد، ويمنح المجتمع ثقة أكبر في أن السلام القادم مشروع وطني تتقاسمه جميع الأجيال، لا تسوية مؤقتة تصوغها نخبة محدودة ثم تترك للأجيال القادمة عبء معالجة ما أغفلته لحظة التأسيس.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.