جدلية “دعاة الاستمرار” وأزمة غياب الرواية الرسمية في المشهد السوداني

محمد صالح محمد

جدلية “دعاة الاستمرار” وأزمة غياب الرواية الرسمية في المشهد السودان

محمد صالح محمد

تخيم على المشهد السوداني حالة من الضبابية التي تتجاوز حدود الجغرافيا لتصل إلى جوهر “الهوية السياسية” ومن يملك حق تقرير مصير الدولة. وبينما تئن البلاد تحت وطأة حرب استنزاف طال أمدها، تبرز إلى السطح تساؤلات ملحة لا تقتصر على الميدان العسكري فحسب، بل تمتد لتشرح العقل النخبوي: هل هؤلاء الذين ينادون في الفضاءات العامة بـ “الحسم العسكري المطلق” واستمرار الحرب هم فعلًا سودانيون يغلبون مصلحة الدولة؟ أم أنهم ضحايا استقطاب سياسي مسكون بأجندات عابرة للحدود الوطنية؟

أولاً: دعاة الاستمرار.. بين “الوطنية المفقودة” وتوهم الحسم

إن الحديث عن “سودانية” دعاة الحرب يتطلب تفكيكاً سوسيولوجياً وسياسياً. فالتاريخ السياسي السوداني شهد دائماً انقساماً حاداً بين تيارات ترى في الحرب “ضرورة وجودية” لاستعادة هيبة الدولة، وتيارات أخرى ترى فيها “انتحاراً وطنياً”.

المشكلة الحقيقية ليست في الهوية البيولوجية لمن ينادون باستمرار الحرب، بل في “تصحير الرؤية السياسية”. هؤلاء الذين يروجون لاستمرار القتال غالباً ما يتغذون على غياب البديل السياسي الجاذب. إنهم يخلطون بين “العداء للميليشيا” وبين “التمسك بالحرب كوسيلة وحيدة للحل”. هذا النهج يعكس خللاً بنيوياً في التفكير الاستراتيجي؛ حيث يتم اختزال الدولة في “المعركة”، وتتحول الوطنية لديهم إلى صك غفران يُمنح لمن يؤيد استمرار الرصاص، ويُسحب ممن يطالب بوقف النزيف.

هؤلاء ليسوا بالضرورة غير سودانيين، لكنهم “مغيبون عن واقعية الدولة”. إنهم أسرى لمنطق صفرّي لم ينجح في أي صراع داخلي عبر التاريخ في تحقيق استقرار مستدام، بل أدى دائماً إلى تفتيت النسيج الاجتماعي وإضعاف سيادة الدولة التي يزعمون الدفاع عنها.

ثانياً: فخ “التسريبات” وغياب المصدر الرسمي

تثير ظاهرة الاعتماد الكلي على “التسريبات” في ملف وقف الحرب تساؤلات حول طبيعة السلطة وإدارة القرار في السودان. إن غياب الموقف الرسمي الواضح -أو الاعتماد على مصادر مجهولة- يعكس أزمة حقيقية في “هندسة التواصل الاستراتيجي” للأطراف المتحاربة.

لماذا لا يوجد مصدر رسمي؟ هناك عدة أسباب سياسية تفسر هذه السيولة الإعلامية:

المناورة التكتيكية: الأطراف المتحاربة تفضل الاحتفاظ بـ “منطقة رمادية” تسمح لها بالتنصل من التزاماتها إذا تغيرت موازين القوى. التسريبات تسمح للقيادات بـ “جس نبض” الشارع والقوى الدولية دون دفع كلفة سياسية مباشرة.

تعدد مراكز القرار: غالباً ما يشير غياب المصدر الرسمي الموحد إلى وجود تيارات داخل المعسكر الواحد؛ تيار يؤمن بالتفاوض وتيار آخر يراه خيانة. التسريبات هنا تعبر عن صراع الأجنحة داخل البيت الواحد.

عسكرة القرار السياسي: عندما يهيمن المنطق العسكري، يصبح “الغموض” جزءاً من العقيدة القتالية. الصمت الرسمي هو انعكاس لغياب أجندة سياسية واضحة لما بعد الحرب، فمن يفتقد لرؤية “اليوم التالي” يفضل الصمت أو التسريب على المواجهة بشفافية مع الشعب.

ثالثاً: نحو مخرج من المتاهة

إنَّ استمرار الحرب تحت يافطة “الوطنية” هو أخطر أنواع التضليل السياسي. إن الوطن الذي يُبنى على أنقاض الدمار الشامل هو وطن يحتاج لعقود للتعافي. إنَّ السوداني “بجد وحقيقة” هو من يدرك أن قوة الدولة لا تقاس بقدرتها على إشعال النار، بل بقدرتها على إخمادها بشروط تحفظ الكرامة والسيادة.

إن غياب المصدر الرسمي لا ينبغي أن يعفي المواطن من مسؤولية التفكير النقدي. فالتسريبات، وإن كانت تعكس رغبات دولية أو إقليمية، لا يمكن أن تحل محل “العقد الاجتماعي” الغائب. نحن بحاجة إلى استعادة “الموقف الوطني الرسمي” الذي يضع إنهاء معاناة الإنسان السوداني فوق كل اعتبار، بعيداً عن أوهام الحسم التي أثبتت الأيام أنها سراب لا يسقي ظمأ الدولة.

تبقى الحقيقة المرة أن الحرب في السودان قد تحولت من صراع على السلطة إلى “صناعة” تتغذى على الفراغ المؤسسي. فما لم تظهر إرادة سياسية وطنية واضحة، صادقة، ومعلنة، تضع حداً لهذه المتاهة، سيبقى السودان رهين التسريبات، وسيبقى أبناؤه بين مطرقة الحرب وسندان الغموض.

استحقاق الحقيقة في زمن الغموض:

إنَّ استمرار التلاعب بمصير الدولة عبر “تسريبات” مجهولة الهوية، يضع السودانيين أمام اختبار وجودي يتجاوز صراع البنادق؛ إنه اختبار الوعي بالذات الوطنية. إنَّ من ينادون باستمرار الحرب، سواء بدافع الأدلجة أو التضليل، يغفلون عن حقيقة جوهرية: وهي أن الوطن لا يُسترد بتوسيع دائرة الخراب، بل باستعادة مفهوم “الدولة” من براثن المزايدات.

إنَّ غياب المصدر الرسمي لا ينبغي أن يكون ذريعة للاستسلام أو القبول بفرضيات “الحرب الأبدية”. فالمرحلة الراهنة تتطلب من القوى الحية والمواطن السوداني تجاوز ضجيج التسريبات، والمطالبة بـ “شفافية السلام”. إنّ الصمت الرسمي المريب هو انعكاس لأزمة قرار سياسي، والحل يكمن في تحويل الضغط الشعبي من مجرد صدى للأحداث إلى قوة ضاغطة تفرض استحقاقات السلام، وتنزع عن “دعاة الحرب” غطاء الوطنية الزائف.

في النهاية سيبقى التاريخ شاهداً على أنَّ من أرادوا خيراً للسودان هم أولئك الذين أدركوا مبكراً أن صوت العقل -رغم خفوته في غمرة الانفجارات- هو الصوت الوحيد الذي يمكنه بناء وطن يُحترم، وأنَّ الحقيقة لا تُسرب في الغرف المغلقة، بل تُنتزع في الساحات العامة عبر مواقف سياسية شجاعة تعلن بوضوح: “لا بديل عن السلام، ولا شرعية لمن يقتات على دماء السودانيين”.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.