الكيماوي… الورقة التي أحرقت أوراق الكيزان….

 الصادق حمدين

 

ليست كل البطاقات الحمراء تُرفع في ملاعب كرة القدم، فبعضها يُرفع في دهاليز السياسة الدولية، حيث تكون العقوبة عزلة، ويكون الثمن الذي يتم دفعه فادحاً، والمستقبل يزداد قتامة.

وهذا هو المعنى الحقيقي للموقف الأمريكي الأخير، الذي نقل المواجهة مع سلطة بورتسودان من دائرة التجاذبات السياسية إلى أخطر ساحات القانون الدولي، عبر اتهامات باستخدام أسلحة كيميائية، ومطالبات واضحة بالإفصاح الكامل عن أي برنامج ذي صلة، والخضوع لعمليات تفتيش دولية دون قيد أو شرط إذعان تام، وإلا العصا لمن عصا.

إنها ليست ورقة عابرة في لعبة الأمم، بل واحدة من أثقل الأوراق وأشدها وطأة.

فالأسلحة الكيميائية ليست مجرد بند في اتفاقية دولية، وإنما خط أحمر رسمته الإنسانية بدماء ضحايا الحروب، وكل من يُتهم بتجاوزه يجد نفسه في مواجهة ضمير العالم قبل أن يواجه مؤسساته.

لقد ظلت جماعة الشر الكيزانية في السودان، يبرعون في إدارة الأزمات عبر المراوغة، ويجيدون استهلاك الوقت، وشراء المواقف، والاحتماء بشعارات الدين والسيادة الوطنية والمؤامرة الكونية كلما ضاقت عليهم دوائر المساءلة.

لكن السياسة الدولية لا تعترف إلا بلغة المصالح والقانون، وعندما يدخل الملف الكيميائي إلى المشهد، فإن مساحة المناورة تضيق، وتصبح الشعارات أقل قدرة على حجب الأسئلة الثقيلة.

ولعل أخطر ما في الموقف الأمريكي أنه لم يقتصر على إطلاق الاتهامات، بل تجاوزها إلى المطالبة بإجراءات عملية، تبدأ بالإعلان الشامل، ولا تنتهي عند التفتيش الدولي، مع التلويح بإجراءات قد تمس مكانة السودان داخل المنظومة الدولية إذا ثبت عدم الامتثال لالتزاماته.

وهذه ليست مجرد ضغوط دبلوماسية، وإنما رسالة بأن الصبر الدولي له حدود، وأن المجتمع الدولي بات أكثر استعداداً لاستخدام أدوات القانون الدولي في مواجهة من يُشتبه في خرقهم للمواثيق الملزمة.

إن التعنت، في مثل هذه اللحظات، لا يصنع هيبة سلطة الجنرال الحالم، وإنما يصنع عزلته.

والمكابرة لا تبدد الشبهات، بل قد تمنحها أسباباً إضافية للبقاء والاتساع.

فالعالم لا يحاكم النوايا، وإنما يراقب الأفعال، ويقيس صدقية المواقف بمدى الانفتاح على التحقيق والتعاون مع الآليات الدولية.

لقد أصبح واضحاً أن الحرب في السودان لم تعد تُقرأ باعتبارها نزاعاً داخلياً فحسب، بل باتت ملفاً تتقاطع فيه الاعتبارات الإنسانية مع قواعد القانون الدولي، وتتزاحم فيه الحسابات السياسية مع مقتضيات العدالة الدولية.

ومن هنا تأتي خطورة الورقة الكيميائية؛ فهي لا تستهدف ميدان القتال، وإنما تستهدف شرعية سلطة فاقدة للشرعية بالأساس، وتضعها تحت مجهر المجتمع الدولي.

قد ينجح أي نظام في مقاومة العقوبات زمناً، وقد يتجاوز الحصار الاقتصادي، وربما يجد حلفاء يؤجلون استحقاقات السياسة، لكن الاتهامات المرتبطة بالأسلحة الكيميائية تظل من أثقل الملفات وأصعبها، لأنها تتجاوز حدود السياسة إلى المسؤولية القانونية والأخلاقية، وتترك آثاراً يصعب محوها من سجل الدول.

إن البطاقة الحمراء التي رفعتها واشنطن ليست نهاية المباراة، لكنها إعلان واضح بأن قواعد اللعبة قد تغيرت، وأن زمن إدارة الأزمات بالشعارات والمناورات يقترب من نهايته.

وإذا لم تُواجه هذه الاتهامات بالشفافية والتعاون مع آليات التحقق الدولية، فإن الورقة الكيميائية قد تتحول إلى أكثر أوراق الضغط إيلاماً، لأنها تضرب في مقتل ما يسعى كل نظام إلى الحفاظ عليه: شرعيته، وموقعه، وما تبقى من رصيده أمام العالم.

فهل يا ترى سيتخلص “الضب” من ذيله ويرمي المسئولية على طرف آخر؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.