جرائم الإخوان لا تسقط بالتقادم.. لماذا أصبحت العدالة مطلباً شعبياً؟

نورا عثمان

نورا عثمان
لم يعد الحديث عن تسليم الرئيس السوداني المعزول عمر البشير وعدد من مساعديه إلى المحكمة الجنائية الدولية مجرد بند يتكرر في بيانات المنظمات الحقوقية أو مطالب القوى السياسية، بل تحول إلى مطلب يردده قطاع من السودانيين الذين يرون أن العدالة تمثل المدخل الأساسي لإغلاق واحدة من أكثر الصفحات دموية في تاريخ البلاد.
فعلى امتداد عقود، تركت الانتهاكات المرتبطة بالحروب والصراعات المسلحة والانقسامات السياسية آثاراً عميقة في المجتمع السوداني، وأنتجت آلاف الضحايا وملايين النازحين، بينما ظلت قضايا المساءلة تراوح مكانها وسط حسابات السياسة وتقلبات السلطة.
إن المطالبة بتسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية لا تنطلق، بالنسبة لمؤيديها، من رغبة في الانتقام، وإنما من قناعة بأن غياب العدالة كان أحد الأسباب التي سمحت بتكرار دوائر العنف. فحين يفلت المسؤولون عن الانتهاكات من المحاسبة، تتولد رسالة خطيرة مفادها أن القوة تكفي للإفلات من العقاب، وأن حقوق الضحايا يمكن تجاوزها مع مرور الوقت.
لقد واجه نظام الإنقاذ، الذي قادته الحركة الإسلامية، اتهامات واسعة بارتكاب انتهاكات جسيمة خلال سنوات حكمه، خاصة في إقليم دارفور، وهي اتهامات شكلت أساس مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق عمر البشير وعدد من كبار المسؤولين. وبينما ينفي بعض أنصار النظام تلك الاتهامات أو يشككون في اختصاص المحكمة، يرى آخرون أن حسم هذه القضايا يجب أن يتم عبر إجراءات قضائية تضمن محاكمة عادلة وفق القانون.
واليوم، ومع استمرار الحرب التي يعيشها السودان، عاد الحديث عن المساءلة بقوة، ليس فقط بشأن الماضي، وإنما أيضاً بشأن الانتهاكات التي ارتُكبت خلال الصراع الحالي. فالكثير من السودانيين باتوا يعتقدون أن أي مشروع لبناء دولة مستقرة لن ينجح إذا استمرت ثقافة الإفلات من العقاب.
العدالة ليست عقبة أمام السلام، كما يحاول البعض تصويرها، بل هي أحد شروطه الأساسية. فالتجارب الدولية أثبتت أن التسويات التي تتجاهل حقوق الضحايا قد توقف القتال مؤقتاً، لكنها لا تمنع عودة الصراع. أما حين يشعر المواطن بأن القانون يطبق على الجميع، فإن الثقة في الدولة تبدأ في التشكل من جديد.
كما أن العدالة لا ينبغي أن تكون انتقائية أو موجهة ضد طرف دون آخر. فكل من يثبت تورطه في ارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، أياً كان موقعه أو انتماؤه السياسي أو العسكري، يجب أن يخضع لتحقيقات ومحاكمات تتوافق مع المعايير القانونية الواجبة.

لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً للحروب والانقسامات، ولم يعد مقبولاً أن تتحول المآسي إلى مجرد أرقام في تقارير دولية أو أوراق تفاوض بين القوى السياسية. فكل ضحية لها حق في معرفة الحقيقة، وكل أسرة فقدت أبناءها لها حق في الإنصاف، وكل مجتمع دمرته الحرب له حق في العدالة.

إن المطالبات المتزايدة بالمحاسبة تعكس، قبل كل شيء، رغبة شريحة من السودانيين في طي صفحة الإفلات من العقاب، وبناء دولة يكون فيها القانون فوق الجميع. فالجرائم الجسيمة، وفق القانون الدولي، لا تسقط بالتقادم، لكن إثبات المسؤولية عنها وإيقاع العقوبة يظل مرهوناً بإجراءات قضائية عادلة ومستقلة، سواء أمام القضاء الوطني إذا كان قادراً وراغباً في ذلك، أو أمام الآليات القضائية الدولية المختصة عندما تنطبق شروط اختصاصها.
ولعل الرسالة الأهم التي يبعث بها الشارع السوداني اليوم هي أن السلام الحقيقي لا يُبنى بالنسيان، وإنما بالعدالة، وأن مستقبل البلاد لن يستقيم إذا بقيت ملفات الانتهاكات معلقة، تنتظر إرادة سياسية تضع حقوق الضحايا فوق حسابات السلطة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.