طلاقٌ يلوح في الأفق… هل وصلت العلاقة بين الجيش والقوات المشتركة إلى نقطة اللاعودة؟
تيسير المبارك
في السياسة كما في الحروب، تبدأ التحالفات تحت ضغط الضرورة، لكنها لا تستمر بالضرورة عندما تتغير موازين القوة والمصالح. وما يجري اليوم في مناطق سيطرة الجيش السوداني يوحي بأن العلاقة بين المؤسسة العسكرية والقوات المشتركة دخلت مرحلة جديدة، عنوانها تبادل الاتهامات وتآكل الثقة، بعد أن كانت تقوم على تنسيق فرضته ظروف الحرب.
خلال الأسابيع الأخيرة، تصاعدت في بعض المناطق أصوات أهلية تطالب بخروج القوات المشتركة من المدن، بالتزامن مع اتهامات متداولة لها بالتسبب في اضطرابات أمنية. وفي المقابل، تنفي قيادات في القوات المشتركة هذه الاتهامات، وتؤكد أنها جزء من المنظومة التي قاتلت إلى جانب الجيش، وأن استهدافها يحمل أبعاداً سياسية أكثر من كونه تقييماً موضوعياً لدورها.
بغض النظر عن صحة هذه الاتهامات أو نفيها، فإن مجرد انتقال الخطاب من الشراكة العسكرية إلى تبادل اللوم يكشف أن التحالف الذي تشكل في ميدان القتال لم يعد متماسكاً كما كان.
التاريخ السوداني مليء بتحالفات انتهت بمجرد زوال الخطر المشترك. فحين تتراجع الحاجة العسكرية، تبدأ معركة النفوذ، ويصبح السؤال: من يدير الأرض؟ ومن يحتكر القرار؟ ومن يملك السلاح الشرعي؟
اليوم يبدو أن هذا السؤال يفرض نفسه بقوة.. هناك من يرى أن وجود أكثر من قوة مسلحة داخل المدن يربك المشهد الأمني ويخلق ازدواجية في مراكز القرار، وأن استعادة الدولة لسلطتها تقتضي وجود قيادة أمنية وعسكرية موحدة. وفي المقابل، ترى القوات المشتركة وأنصارها أنها قدمت تضحيات كبيرة، وأن من غير المقبول التعامل معها باعتبارها عبئاً بمجرد تغير الظروف.
وهنا تكمن العقدة الحقيقية.. فإذا تحولت الخلافات إلى حملة متبادلة لنزع الشرعية السياسية أو الشعبية، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام أزمة جديدة داخل المعسكر نفسه، وهي أزمة قد تكون أكثر تعقيداً من الخلافات مع الخصوم، لأن الصراعات بين الحلفاء السابقين غالباً ما تكون أكثر حدة.
المدن ليست المكان المناسب لتصفية الحسابات السياسية أو العسكرية. وإذا أصبحت ساحات لتنافس القوى المسلحة، فإن أول من يدفع الثمن هو المواطن، الذي يبحث عن الأمن والاستقرار أكثر من بحثه عن هوية الجهة التي توفرهما.
المطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات عبر المنابر أو وسائل الإعلام، وإنما إدارة الخلاف عبر مؤسسات واضحة، تحدد المسؤوليات والصلاحيات، وتمنع الانزلاق إلى صراع جديد داخل المناطق التي يفترض أنها أكثر استقراراً.
إن بناء دولة مستقرة لا يتحقق بكثرة التشكيلات المسلحة، بل بوجود مؤسسات أمنية تعمل وفق القانون، وبحوار سياسي قادر على معالجة الخلافات قبل أن تتحول إلى مواجهات.
لذلك، فإن المؤشرات الحالية تستحق التوقف عندها بجدية. فإذا استمرت لغة التخوين والتصعيد، وإذا تزايدت الدعوات المتعارضة بشأن بقاء القوات المشتركة أو خروجها، فإن العلاقة بين الطرفين قد تدخل مرحلة يصعب معها إعادة الثقة.
قد لا يكون الطلاق قد وقع بعد، لكن المؤشرات توحي بأن العلاقة تمر باختبار حقيقي. والسؤال الذي سيحدد شكل المرحلة المقبلة ليس من انتصر في معركة الأمس، بل: هل تستطيع الأطراف المختلفة إدارة خلافاتها دون أن تفتح جبهة جديدة يدفع ثمنها السودانيون؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.