في الدول التي تحترم شعوبها، تُقاس كفاءة الحكومات بما توفره من خدمات، لا بعدد خصوماتها السياسية، ولا بحجم معاركها الإعلامية. أما في السودان، فقد أصبح المواطن يفتح عينيه كل صباح على سؤال واحد: هل ستصل المياه؟ وهل ستعود الكهرباء؟ وهل سيجد دواءً إذا مرض؟ بينما تبدو السلطة منشغلة بصراعات النفوذ وتقاسم المواقع أكثر من انشغالها بالإجابة عن هذه الأسئلة.
لا يحتاج السوداني اليوم إلى خطابات سياسية مطولة، ولا إلى بيانات متبادلة بين المسؤولين. ما يحتاجه هو تيار كهربائي لا ينقطع لساعات طويلة، ومياه نظيفة تصل إلى منزله، ومستشفى يجد فيه طبيباً ودواءً وسريراً للعلاج. هذه هي أولويات الناس، لكنها تبدو في أسفل قائمة أولويات السلطة.
لقد أرهقت الحرب البلاد، ودمرت البنية التحتية، وقلصت الموارد، لكن ذلك لا يعفي أي حكومة من مسؤوليتها في إدارة ما تبقى من مؤسسات الدولة بكفاءة وعدالة. فالأزمات قد تكون قدراً، أما سوء الإدارة فهو خيار تتحمل نتائجه الحكومات.
في المدن الواقعة تحت إدارة حكومة بورتسودان، تتكرر شكاوى المواطنين من انقطاع الكهرباء، وأزمات المياه، وارتفاع تكاليف المعيشة، والضغط الهائل على المرافق الصحية. وفي الوقت نفسه، تتصدر الخلافات السياسية والتجاذبات داخل دوائر السلطة المشهد العام، حتى بدا وكأن معركة المسؤولين الأساسية ليست ضد تدهور الخدمات، بل ضد بعضهم البعض.
لا توجد حكومة تستطيع أن تطالب الناس بالصبر إلى ما لا نهاية، بينما لا يشعر المواطن بأي تحسن في حياته اليومية. فالصبر له حدود، والثقة تُبنى بالأفعال لا بالوعود.
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في تراجع الخدمات، بل في تآكل الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. فعندما يصبح الحصول على الماء أو الكهرباء أو العلاج معركة يومية، يبدأ الناس في فقدان الإيمان بقدرة الدولة على أداء أبسط وظائفها.
وليس من الحكمة أن تُختزل مسؤولية الحكومة في إدارة الملفات الأمنية والسياسية وحدها. فالدولة ليست ثكنة عسكرية، بل منظومة متكاملة تقوم على توفير الأمن والخدمات والعدالة والاقتصاد. وإذا اختل أحد هذه الأركان، فإن الاستقرار نفسه يصبح مهدداً.
كما أن استمرار تدهور القطاع الصحي يبعث برسالة مقلقة. فالمستشفيات التي تعاني نقص الكوادر والأدوية والمعدات لا تحتاج إلى مزيد من التصريحات، بل إلى قرارات عاجلة وتمويل وإدارة فعالة. وكذلك الحال بالنسبة لقطاع المياه والكهرباء، حيث لا يمكن فصل استقرار المجتمع عن استقرار هذه الخدمات الأساسية.
إن المواطن السوداني لا يطلب رفاهية، ولا ينتظر معجزات. إنه يطالب بحقوق أساسية تكفلها أي دولة لمواطنيها: ماء صالح للشرب، كهرباء مستقرة، ورعاية صحية تحفظ الكرامة الإنسانية. وهذه ليست مطالب سياسية، بل استحقاقات دستورية وأخلاقية.
قد تختلف القوى السياسية حول شكل السلطة، وقد تتباين رؤاها بشأن إدارة المرحلة، لكن لا ينبغي أن يكون المواطن هو الضحية الدائمة لهذه الخلافات. فكل يوم تتأخر فيه معالجة أزمات الخدمات، تتسع الفجوة بين الدولة والمجتمع، ويزداد الشعور بأن هموم الناس الحقيقية غائبة عن طاولة القرار.
إن الحكومات تُذكر بما أنجزته في حياة الناس، لا بما خاضته من صراعات. وإذا أرادت أي سلطة أن تحظى بثقة المواطنين، فعليها أن تبدأ من حيث تبدأ معاناة الناس: من صنبور ماء جاف، ومن منزل غارق في الظلام، ومن مريض ينتظر علاجاً قد لا يجده. فهناك، وليس في أروقة الصراع السياسي، يُقاس نجاح الحكومات أو فشلها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.