يا أهل الجزيرة، شدّوا على قلوبكم! فقد جاءكم اليوم خبرٌ كان ينبغي أن يكون بشارة، فإذا به يتحول إلى مأتم جديد من مآتم التعليم.
جاءتكم كشوفات تعيين معلمين ومعلمات تظهر إلى الناس، ولا أحد يعرف متى أُعلن عن الوظائف، ولا أين أُعلن عنها، ولا كيف فُتحت أبواب المنافسة، ولا أين عُقدت المعاينات، ولا كيف جرت المفاضلة!
يبدو أن الوظائف، في هذه الولاية، لم تكن بحاجة إلى إعلان! ولم تكن بحاجة إلى معاينة! ولم تكن بحاجة إلى مؤهلات! كل ما كانت تحتاجه، بحسب ما يردده الناس، هو أن تكون قريبًا من صاحب قرار!
يا سلام! يا لها من عبقرية إدارية سودانية فريدة! نحن الذين كنا نظن أن المعلم يحتاج إلى شهادة، وخبرة، وكفاءة، ومنافسة! طلعنا نحن الغافلين!
فالمعادلة الجديدة، كما يتندر بها الناس، أصبحت:
عندك مؤهل؟ جميل.
عندك خبرة؟ ممتاز.
عندك كفاءة؟ رائع.
لكن… عندك قريب في إدارة التعليم؟ هنا يبدأ الكلام الجد!
فإذا كان هذا ما حدث فعلًا، فمبروك علينا جميعًا! لقد انتقلنا بالتعليم من مرحلة المحسوبية إلى مرحلة هندسة المحسوبية! ولم يعد السؤال: من هو الأكفأ؟ بل صار: من هو الأقرب؟
ولم تعد المفاضلة بين الشهادات والخبرات. بل صارت المفاضلة بين الأخ وابن العم وابنة العمة وصاحب النفوذ وصاحب الواسطة!
وهكذا، وبكل أريحية، نكون قد اخترعنا نظامًا تعليميًا سودانيًا جديدًا لا مثيل له في العالم: نظام “جيب قريبك وتعال”!
أما أبناء الشعب الذين لا يعرفون مسؤولًا، ولا يملكون هاتفًا يصل إلى مكتب المدير، ولا يستطيعون أن يطرقوا أبواب أصحاب النفوذ، فليجلسوا في بيوتهم.
ليحملوا شهاداتهم على ظهورهم. وليضعوا سنوات الدراسة والخبرة تحت وسائدهم. وليحلموا بوظيفة قد تأتي يومًا، إذا تكرمت عليهم المحسوبية وسمحت لهم بالدخول من الباب الخلفي!
إن صح ما يتداوله الناس عن طريقة هذه التعيينات، فنحن لا نتحدث عن خطأ إداري عابر. نحن نتحدث عن اغتيال علني لمبدأ تكافؤ الفرص. ونحن نتحدث عن جريمة أخلاقية في حق آلاف المعلمين والمعلمات الذين ينتظرون فرصتهم في وطنٍ لا يعطيهم إلا الانتظار.
والأخطر من ذلك كله أن الأمر يتعلق بالتعليم!
أيها السادة: أنتم لا تعينون عمالًا في مخزن! ولا توزعون مقاعد في رحلة مدرسية! أنتم تختارون معلمين!
المعلم الذي سيدخل فصلًا دراسيًا، ويقف أمام عشرات الأطفال، ويضع يده على عقولهم، ويشارك في تشكيل شخصياتهم ومستقبلهم.
فإذا كان اختيار هذا المعلم قد تم بالمحسوبية فماذا تريدون من أطفال الجزيرة أن يتعلموا؟ أن يتعلموا الرياضيات؟ أم أن يتعلموا درسًا عمليًا في “الواسطة وأصولها”؟ أن يتعلموا اللغة العربية؟ أم أن يتعلموا أن “ابن المسؤول” أقوى من “ابن المواطن”؟ أن يتعلموا الاجتهاد؟ أم أن يتعلموا أن الاجتهاد الحقيقي هو أن تعرف الشخص الصحيح؟
فيا له من منهج! ويا لها من حصة دراسية!
ولعلها تكون أول حصة في مقرر جديد اسمه: “المحسوبية في الخدمة المدنية ـ من الابتدائي إلى الجامعة”!
إن ما يُثار حول بعض الأسماء الواردة في كشوفات التعيين يستحق تحقيقًا جادًا وشفافًا، لا دفنًا تحت التراب.
ومن الأسماء التي يدور حولها حديث الناس اسم عبد العظيم العاقب محمد زين، شقيق الصادق العاقب محمد زين، مدير التعليم الابتدائي بمحلية الحصاحيصا.
كما يُشار إلى اسم زبيدة أرباب القاسم، ابنة عمة المشرف التربوي لوحدة ود حبوبة بالمرحلة المتوسطة، الأستاذ ياسر أحمد حمد.
ونحن هنا لا نقول إن القرابة وحدها دليل إدانة. فقد يكون هؤلاء جميعًا مستحقين. وقد يكونون أكفأ من غيرهم. وقد يكون اختيارهم قد تم وفق منافسة عادلة لا علاقة لها بأي صلة قرابة.
لكن، يا سادة، إذا كان الأمر كذلك: فلماذا لا تُعلن الإجراءات؟ لماذا لا تُكشف المعايير؟ لماذا لا يُقال للناس: هذا هو الإعلان! وهذه هي الوظائف! وهؤلاء هم المتقدمون! وهذه درجات المعاينات! وهذه أسس المفاضلة! وهذه أسباب الاختيار!
لماذا كل هذا الغموض؟
فهل أصبح كشف الحقائق خطرًا على التعليم؟ أم أن الشفافية أصبحت مادة محظورة في لوائح الخدمة المدنية؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي مؤسسة ليس أن يُخطئ الموظف. فالخطأ وارد. لكن الكارثة أن يصبح الخطأ نظامًا. وأن تصبح المحسوبية منهجًا. وأن تصبح الواسطة لائحة غير مكتوبة. وأن يصبح صاحب الكفاءة آخر من يُنظر إليه.
إذا كان هذا قد حدث، فليكن واضحًا: هذه ليست تعيينات… هذه جنازة.
جنازة لمبدأ الخدمة العامة. جنازة للعدالة. جنازة لتكافؤ الفرص. جنازة للمعلم الذي درس سنوات، وحصل على شهادته، وانتظر دوره، ثم اكتشف أن كل ذلك لا يساوي شيئًا أمام هاتف من شخص نافذ!
ويا أهل الجزيرة: هل يعقل أن يكون خريج التربية الذي لا يملك واسطة بلا قيمة؟ هل يعقل أن تكون سنوات الدراسة مجرد ورقة لا تفتح بابًا؟ هل يعقل أن يجلس آلاف المعلمين في البيوت، بينما الوظائف تُوزع بعيدًا عن المنافسة العلنية؟
إذا كان هذا صحيحًا، فإننا لا نحتاج إلى إصلاح التعليم فقط. نحن نحتاج إلى إصلاح العقل الذي يدير التعليم.
لأن المؤسسة التي لا تعرف كيف تختار معلمًا بعدالة، لن تعرف كيف تبني جيلًا يعرف معنى العدالة.والولاية التي تجعل الكفاءة تتوسل أمام باب المحسوبية، لا ينبغي أن تتفاجأ عندما يكبر أبناؤها وهم لا يؤمنون إلا بالواسطة.
فالطفل يتعلم من الواقع أكثر مما يتعلم من الكتاب.
وحين يرى أن المجتهد لا يصل، وأن القريب يصل، سيتعلم الدرس جيدًا.
وحين يرى أن الوظيفة لا تُنال بالعلم، سيحتقر العلم.
وحين يرى أن الشهادة لا تساوي شيئًا أمام العلاقة، سيبحث عن العلاقة.
وهكذا تصنع المحسوبية جيلًا جديدًا من المحسوبين!
إنها ليست مجرد وظيفة ذهبت إلى شخص. إنها ثقافة تُزرع في عقول جيل كامل.
ثم يأتي بعد ذلك من يسأل: لماذا انهارت الخدمة المدنية؟ ولماذا هاجر الشباب؟ ولماذا فقد الناس الثقة؟ ولماذا أصبح الفساد طبيعيًا؟
والإجابة بسيطة: لأنك حين تقتل العدالة في أول الطريق، لا تنتظر أن تجدها في آخره.
إن ولاية الجزيرة تستحق أفضل من هذا. والتعليم السوداني يستحق أفضل من هذا. والمعلم السوداني، الذي ظل لعقود يعمل في أقسى الظروف وبأقل الإمكانيات، يستحق أن يُعامل باحترام، وأن تُفتح أمامه الوظائف على أساس واضح ونزيه.
لا نريد تعيينات غامضة. لا نريد كشوفات تنزل على رؤوس الناس من السماء. لا نريد وظائف “مخصوصة”. نريد إعلانًا. ومنافسة. ومعاينة. ومفاضلة. ووضوحًا.
ونريد أن يعرف كل مواطن لماذا عُيّن فلان، ولماذا لم يُعيّن علان.
هذا هو حق الناس. وهذا هو واجب الدولة.
أما أن يقول لنا أحدهم: “اسكتوا… هؤلاء ربما يكونون مستحقين!”
فنقول له: نحن لا نعترض على المستحق. نحن نعترض على أن يُمنح أحدٌ وظيفةً في الظلام، ثم يُطلب من الناس أن يصدقوا أن النور كان موجودًا!
أظهروا النور إذن! أظهروا المعايير! أظهروا المنافسة! أظهروا النتائج! وعندها لن يعترض أحد.
أما أن تُغلقوا الأبواب في وجه الناس، ثم تفتحوا النوافذ لمن تعرفون، فهذه ليست دولة. هذه حظيرة مصالح.
إن كان هناك من يرى أن ما يُثار مجرد افتراء، فليتفضل إلى التحقيق العلني.
وإن كان هناك من يملك دليلًا على نزاهة الإجراءات، فليضعه أمام الناس.
وإن ثبت أن التعيينات تمت دون إعلان ومنافسة ومعايير واضحة، فلتُلغَ وتُعاد من البداية.
ليس في ذلك عيب. العيب أن يستمر الخطأ لأن أحدًا يخشى الاعتراف به.
والعار كل العار أن يُطلب من الناس احترام مؤسسة لا تحترم حقهم في المعرفة.
يا أهل الجزيرة… لقد أُنهك التعليم. وأُهين المعلم. وتعب الطالب. وانهارت المدارس. وتآكلت المناهج.
ثم جاءت هذه الكشوفات، بما تثيره من أسئلة وشبهات، لتقول لنا إن المسمار الأخير قد دُق في نعش العدالة.
فإن كان هذا هو مستقبل التعليم، فليستعد أطفالنا لتعلم مادة جديدة: “التربية على الواسطة”.
وفي الحصة الأولى سيكتب المعلم على السبورة: الطالب المجتهد ينجح بالامتحان… ثم يمسحها ويكتب: أما الوظيفة، فلها امتحان آخر لا يعرفه إلا أصحاب النفوذ!
فيا للسخرية السوداء! ويا للمأساة! ويا للعار!
لقد كان المعلم في السودان يومًا رمزًا للنزاهة والانضباط والضمير. فلا تجعلوه اليوم رمزًا للمحسوبية.
لقد كان التعليم هو السلم الذي يصعد به الفقير إلى مستقبل أفضل. فلا تحولوه إلى سلم يصعد عليه أصحاب العلاقات، بينما يُدفع أبناء الفقراء إلى القاع.
وإذا كانت هناك أخطاء في هذه التعيينات، فليكن تصحيحها الآن، قبل أن يتحول الخطأ إلى عرف، والعرف إلى قانون، والقانون إلى ثقافة.
نريد لجنة تحقيق مستقلة. نريد كشفًا كاملًا للمعايير. نريد إعلانًا واضحًا عن الوظائف. نريد معرفة عدد المتقدمين. نريد نتائج المعاينات والمفاضلات.
ونريد أن يعرف كل مواطن أن الوظيفة العامة حقٌ لمن يستحقها، وليست هديةً لمن يملك مفتاح الباب.
أما إذا ثبت أن ما يُقال عن المحاباة لا أساس له، فليخرج المسؤولون ويقولوا ذلك بالأدلة.
وإن ثبت العكس، فليُحاسب من فعل.
فالتعليم أكبر من الأشخاص. والجزيرة أكبر من الإدارات. والوطن أكبر من المسؤول. ولا أحد فوق المحاسبة.
رحم الله تعليم الجزيرة… ورحم الله يومًا كان فيه اسم المعلم يُرفع لأنه معلم، لا لأنه قريب فلان أو محسوب على علان.
لكن قبل أن نقرأ الفاتحة على روح التعليم، ربما يكون هناك سؤال أخير يجب أن يُطرح على من بيده القرار:
هل تريدون بناء أجيال تعرف معنى الكفاءة والعدالة؟ أم تريدون أن تدرّبوها منذ طفولتها على أن الطريق إلى الوظيفة يمر عبر القرابة والواسطة والمحسوبية؟
اختاروا.
لكن تذكروا: أنتم لا تعينون معلمين فقط… أنتم تعينون من سيعلّم أبناءنا معنى الحياة.
فإذا علّمتموهم أن الكفاءة لا تكفي، فلا تلوموا أبناءكم غدًا عندما يبحثون عن الواسطة.
وإذا قتلتم العدالة في التعليم، فلا تسألوا بعد ذلك: من قتل التعليم؟
فربما يكون الجواب مكتوبًا على آخر كشف تعيين:
“كان هنا تعليم… ثم جاءت المحسوبية، فأخذت مكانه.”
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.