كل حرب تحمل لحظة مراجعة، لكن بعض الحروب لا تمنح أطرافها فرصة للتعلم إلا بعد خسائر فادحة. وما تردد عن مقتل عدد من قيادات القوة المشتركة في معارك كردفان يعيد إلى الواجهة سؤالاً بالغ الأهمية: هل ما زالت الحركات المسلحة ترى أن مستقبلها مرهون بالبندقية، أم أن الوقت قد حان لإعادة قراءة المشهد السياسي والعسكري في السودان؟
قد تكون الخسارة في ساحة المعركة جزءاً من طبيعة أي نزاع، لكن فقدان القيادات يحمل دلالات تتجاوز البعد العسكري. فهو يترك فراغاً في القيادة، ويؤثر في تماسك القوة، ويفرض على التنظيمات المسلحة مراجعة حساباتها، خاصة عندما تصبح كلفة استمرار القتال أعلى من أي مكسب محتمل.
لقد دخلت القوة المشتركة الحرب إلى جانب الجيش السوداني انطلاقاً من حسابات تتعلق بتوازنات اللحظة، ورغبة في مواجهة خصم مشترك. غير أن الحروب، بطبيعتها، لا تتوقف عند أهدافها الأولى، بل تعيد تشكيل التحالفات وتغيّر أولويات الأطراف المشاركة فيها.
اليوم، تبدو الحركات المسلحة أمام معادلة مختلفة. فبعد أن كانت تنظر إلى الحرب باعتبارها معركة لحماية وجودها السياسي والعسكري، أصبحت مطالبة بالإجابة عن سؤال أكثر عمقاً: ماذا بعد الحرب؟ إن التجربة السودانية خلال العقود الماضية تؤكد أن الفصائل المسلحة التي تدخل في تحالفات عسكرية مؤقتة كثيراً ما تجد نفسها، بعد انتهاء المعارك، أمام واقع جديد لا يشبه الوعود التي سبقت القتال. فموازين القوى تتغير، والأولويات تتبدل، وتبدأ حسابات الدولة ومراكز النفوذ في رسم خريطة مختلفة للمستقبل.
ولذلك، فإن مقتل قيادات ميدانية بارزة، إذا تأكدت هذه الأنباء، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره خسارة عسكرية فحسب، بل باعتباره مناسبة لإعادة تقييم المسار بأكمله.
الحركات المسلحة التي وقعت اتفاق جوبا للسلام دخلت العملية السياسية على أساس أن السلاح وسيلة مؤقتة للوصول إلى الاستقرار. لكن الحرب الأخيرة أعادتها مرة أخرى إلى ساحات القتال، لتصبح جزءاً من معركة تختلف في طبيعتها وأهدافها عن الصراعات التي خاضتها سابقاً في دارفور.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل ما زالت هذه المشاركة تخدم الأهداف التي تأسست من أجلها تلك الحركات، أم أنها أصبحت تستنزف كوادرها وقياداتها في حرب قد تطول دون أفق سياسي واضح؟ إن استمرار سقوط القيادات الميدانية يضعف القدرة التنظيمية لأي قوة، ويزيد من احتمالات الانقسامات الداخلية، خصوصاً إذا غابت رؤية سياسية متفق عليها لما بعد الحرب.
التاريخ السوداني مليء بالتجارب التي انتهت فيها الحركات المسلحة إلى مراجعات مؤلمة بعد سنوات من القتال. فكثير من تلك التنظيمات اكتشفت، متأخرة، أن البندقية تستطيع فرض واقع عسكري، لكنها لا تكفي وحدها لبناء مشروع سياسي مستدام.
كما أن التحالفات التي تُبنى في زمن الحرب لا تكون بالضرورة هي نفسها التي تستمر في زمن السلام. فلكل طرف حساباته، ولكل مرحلة أولوياتها، وقد تجد بعض الحركات نفسها مطالبة بالدفاع عن مكاسبها السياسية في مواجهة حلفاء الأمس، لا خصوم الأمس فقط.
قد يكون الدرس الأهم هو أن الحفاظ على الكوادر والقيادات لا يقل أهمية عن تحقيق المكاسب الميدانية. فالقوة الحقيقية لأي تنظيم ليست في عدد مقاتليه فقط، بل في قدرته على تحويل حضوره العسكري إلى مشروع سياسي قابل للاستمرار. ولذلك، فإن مراجعة المشاركة العسكرية، والدفع نحو تسوية سياسية، والعمل على حماية ما تحقق من اتفاقات سلام، قد تكون خيارات أكثر جدوى من الاستمرار في حرب تستنزف الجميع.
في النهاية، لا يهم السودانيين كثيراً من يربح معركة هنا أو يخسر موقعاً هناك، بقدر ما يهمهم أن تتوقف الحرب التي أنهكت البلاد. فكل قائد يُقتل، وكل مقاتل يسقط، وكل مدينة تتحول إلى ساحة قتال، يزيد من صعوبة إعادة بناء السودان.
لذلك، فإن الرسالة التي تحملها خسائر كردفان، إذا ثبتت، لا ينبغي أن تُقرأ بلغة الثأر أو التصعيد، وإنما بلغة المراجعة. لأن الحروب التي لا تُنتج مراجعات، تُنتج فقط خسائر جديدة. ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابته في أروقة الحركات المسلحة قبل غيرها: هل تعي الحركات الدرس، أم أن الحرب ما زالت بالنسبة إليها الطريق الوحيد إلى المستقبل؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.