يثير الإعلان عن تخريج دفعة من “المستنفرات” في مدينة مروي أسئلة تتجاوز الحدث نفسه، لتلامس طبيعة المسار الذي تمضي فيه البلاد في ظل استمرار الحرب. فحين تتحول النساء من ضحايا للنزاع إلى جزء من مشهد التعبئة العسكرية، يصبح من المشروع التساؤل: إلى أين يتجه السودان، ومن يدفع الثمن؟
ليست القضية في مشاركة النساء في الشأن العام أو في أدوارهن الوطنية، فذلك حق أصيل لا خلاف عليه. لكن الجدل يبدأ عندما تصبح التعبئة العسكرية هي الخيار الذي يطغى على خيارات السلام، وعندما يُنظر إلى المجتمع، رجالاً ونساءً، بوصفه خزاناً بشرياً لاستمرار الحرب، لا شريكاً في إنهائها.
ما يلفت الانتباه أن صور تخريج المستنفرات أعادت إلى أذهان كثيرين مشاهد السنوات الأولى لحكم الإسلاميين، عندما ارتبط الخطاب السياسي آنذاك بحملات التعبئة العامة، واستخدام الشعارات الدينية والوطنية لحشد المجتمع حول خيارات عسكرية. ويرى منتقدون أن تلك المرحلة أسهمت في ترسيخ عسكرة الحياة العامة، وهي تجربة لا يزال السودان يدفع بعض كلفتها حتى اليوم.
الحرب الحالية خلّفت ملايين النازحين، ودمّرت البنية التحتية، وأدخلت الاقتصاد في أزمة عميقة. وفي هذا السياق، يرى منتقدو نهج التعبئة أن الأولوية ينبغي أن تكون لإعادة فتح المدارس والمستشفيات، وتأمين الغذاء والخدمات، لا لتوسيع دائرة الاستنفار.
إن النساء السودانيات كنّ، منذ اندلاع الحرب، في مقدمة المتضررين. آلاف فقدن أزواجهن أو أبناءهن، وملايين اضطررن إلى النزوح، فيما واجهت أخريات تحديات مرتبطة بالصحة والتعليم وسبل العيش. لذلك، فإن ظهور برامج تعبئة عسكرية موجهة للنساء يثير تساؤلات حول ما إذا كانت البلاد تتجه إلى توسيع دائرة المشاركة في الحرب بدلاً من البحث عن مخرج منها.
ويذهب بعض المحللين إلى أن تصاعد خطاب التعبئة يعكس قناعة لدى بعض القوى السياسية بأن الحرب ما زالت الوسيلة الأجدى لتحقيق أهدافها. بينما يرى آخرون أن هذا النهج قد يؤدي إلى مزيد من الاستقطاب، ويجعل عملية العودة إلى الحياة المدنية أكثر تعقيداً في مرحلة ما بعد النزاع.
كما يبرز سؤال آخر يتعلق بمستقبل المجتمع نفسه. فكلما اتسعت دائرة التسليح والتعبئة، ازدادت صعوبة إعادة دمج المقاتلين وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مدنية. والتجارب الإقليمية تظهر أن المجتمعات التي تتوسع فيها التعبئة المسلحة تحتاج لاحقاً إلى سنوات طويلة لمعالجة آثارها الأمنية والاجتماعية.
إن استدعاء النساء إلى ساحات التعبئة العسكرية، بدلاً من تمكينهن في مجالات التعليم والصحة والإعمار، يبعث برسالة مقلقة عن الأولويات الوطنية. فالدول الخارجة من النزاعات عادة ما تستثمر في دور المرأة في صناعة السلام، لا في توسيع رقعة المواجهة.
قد يرى مؤيدو هذه الخطوات أنها استجابة لضرورات أمنية فرضتها الحرب، لكن منتقديها يحذرون من أن استمرار منطق التعبئة قد يحول المجتمع بأسره إلى امتداد لساحة القتال، ويؤخر أي فرصة لتسوية سياسية مستدامة.
السودان اليوم لا يحتاج إلى دفعات جديدة من المستنفرين أو المستنفرات بقدر ما يحتاج إلى دفعات من المعلمين والأطباء والمهندسين، وإلى مشروع وطني يعيد بناء الإنسان قبل البنيان.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل يعيد هذا المشهد إلى الأذهان بدايات مرحلة اتسمت بالتعبئة الواسعة وعسكرة المجتمع، أم أنه يظل إجراءً استثنائياً فرضته ظروف الحرب؟ أياً تكن الإجابة، فإن المؤكد أن مستقبل السودان لن يُبنى بتوسيع دائرة الصراع، بل بتوسيع دائرة السلام، لأن الأوطان التي تستنزف أبناءها وبناتها في الحروب، تدفع أثمان ذلك لأجيال طويلة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.