هذه الأهداف لا تُستخدم إلا ضد جهة يُنظر إليها كقوة سياسية حقيقية فالخصم لا يهاجم إلا من يخشى تأثيره، ولا تُصنع الروايات الإعلامية إلا ضد من يملك حضوراً في المشهد السياسي.
طيف أول:
ما ضاقت الحياةُ عليك إلا
لتُزهِرَ في ضلوعِكَ أمنياتُ
إذا ما الليلُ أثقلَ صدرَ قلبٍ
تجلّى الصبحُ وانفرجتْ جهاتُ
والخبر الذي تم نفيه من قبل القيادي في صمود بابكر فيصل، والذي أورده موقع أفريكا إنتليجانس بأن جهاز أمن الدولة المصري احتجز فيصل أربع ساعات في مطار القاهرة، بعد تلقيه تقريراً أفاد بزيارته للعاصمة الإسرائيلية تل أبيب ضمن وفد من تحالف صمود، والذي احتفت به منصات الفلول كان أكثر ما أكده الخبر المغشوش هو أن الفلول أقرت ضمناً بأن القوى المدنية تمتلك قواعد، وأن التأثير عليها يمكن أن يتم بضرب المصداقية للتأثير على جمهورها، بتشويه صورة قياداتها ومحاولة هتك الثقة داخل قواعدها، وخلق انطباع بارتباطات خارجية غير معلنة.
وهو المسعى الذي تحدثنا عنه من قبل:
محاولة إضعاف التحالف في لحظة سياسية حساسة، وإظهار وجود انقسامات داخل القوى المدنية بغرض إضعاف موقفها السياسي.
وهذا تناقض صريح مع خطاب الفلول السابق بأن القوى المدنية بلا جماهير وقواعد ، فحين يهاجم خصمٌ جهةً ما عبر خبر مفبرك أو مسيّس، فهو يعترف بأن تلك الجهة موجودة ومؤثرة.
وهذه الأهداف لا تُستخدم إلا ضد جهة يُنظر إليها كقوة سياسية حقيقية ، فالخصم لا يهاجم إلا من يخشى تأثيره، ولا تُصنع روايات إعلامية إلا ضد من يملك حضوراً في المشهد.
وغريب أن التطبيع الحقيقي لا يخدم روايتهم بينما الإشاعة تخدمها ،فالبرهان قام بخطوات تطبيع موثّقة مع إسرائيل عبر لقاء نتنياهو في عنتيبي، وفتح مسار تعاون أمني، وتصريحات رسمية حول التطبيع، واتصالات مباشرة مع الخارجية الإسرائيلية. هذه وقائع حقيقية لا يستطيعون إنكارها، لكنها لا تخدم خطابهم السياسي.
فما نفاه بابكر فيصل لن يستطيع البرهان نفيه، والفلول وحلفاؤهم هم من فتحوا للبرهان باب التطبيع.
وحتى بعد الحرب حاول البرهان، بموافقة قيادات التنظيم في ميدان الحرب، زيارة تل أبيب، ورفضت إسرائيل ذلك بسبب حساسية الوضع الأمني. وكانت الزيارة غير مرغوبة إسرائيلياً بالرغم من أن البرهان وافق على التطبيع، لأن إسرائيل لم تكن تريد الظهور كطرف في الصراع السوداني، واقتصر التواصل على قنوات أمنية فقط.
فهي أدركت أن موافقتها كأنها تمنح البرهان “شرعية دولية”، وشعرت أن الجنرال يريد أن يستخدم زيارة تل أبيب سياسياً ليحظى بدعم دولي، وأن إسرائيل تقف معه ليكون هو الطرف الأقوى في الحرب.
وإسرائيل لم تكن تريد أن تُستخدم بهذه الطريقة، كما أنها لاحظت مبكراً أن خطوة التطبيع التي أعلنها البرهان واجهت هجوماً واسعاً
وكان لهذا الهجوم تأثير مباشر على حسابات إسرائيل، وأن البرهان لم يستطع أن يلتزم بالاتفاق، ولا تتوفر فيه مواصفات القائد الذي يملك قراره وكلمته، وهو ما يجعله لا يملك غطاءً سياسياً داخلياً.
والمؤسسة العسكرية نفسها ليست موحّدة خلفه، إضافة إلى أن الإسلاميين قادرون على تعطيل أي خطوة يتخذها. لذلك أغلقت إسرائيل الباب دونه بعد الحرب.
إذن ما سبق هو الذي يؤكد أن ما عجزت الفلول عن تحقيقه هو الذي دفعها لتسويق الإشاعة التي أصبحت “أداة تعويض” عن فشل التطبيع الحقيقي.
فبما أن البرهان وفلوله لم يستطيعوا فتح جسور مع إسرائيل بعد الحرب، حتى بعد أن قدموا تنازل التطبيع، استخدموا الإشاعة ليظهروا أن المدنيين هم من يفعلون ذلك، لخلق مساواة زائفة بينهم وبين البرهان.
وهذه تقنية سياسية معروفة عندما تفشل في شيء تتهم خصمك بأنه يفعله. فالإشاعة أصبحت بديلاً عن الإنجاز المفقود، لأنهم لم يستطيعوا فتح علاقة مستقرة مع إسرائيل تنقذهم في حربهم، ولم ينجحوا في تحويل التطبيع إلى سياسة دولة، فظهروا أمام إسرائيل كطرف غير قادر على اتخاذ قرار .
والخبر المفبرك لم يكن موجهاً ضد القوى المدنية سياسياً فقط، بل اجتماعياً أيضاً، لأن الفلول أرادت ضرب صورتهم أمام المجتمع إذا عادوا للحكم، لأنها تعرف أن المعركة القادمة اجتماعية قبل أن تكون سياسية. فإذا انتهت الحرب ستبدأ معركة الشرعية والقبول الشعبي… معركة من يحكم المرحلة الانتقالية.
طيف أخير:
#لاللحرب
#لاللمخدرات
ما صرّح به قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو بقوله إن أوامر الهجوم والتقدم منذ اللحظة بيد القوات لا بيدي، هو أخطر تصريح منذ بداية الحرب؛ إذ يلقي القائد به عاتق المسؤولية عن كل ما يحدث في القادم.
لذلك فإن ميدان الصراع قد يشهد تطوراً يجب أن يضعه المواطن في الحسبان، طالما أنه الخاسر الأكبر في هذه الحرب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.