الجيش والسياسة في السودان

بابكر فيصل

فالسودان الذي شهد منذ استقلاله عام 1956 نحو 19 محاولة انقلابية يجسد العلاقة “بلا فطام” بين العسكر والسياسة التي وسوف نحاول تناول تحليل الإطار النظري في تطلع الجيش للحكم ونركز في مقاربتنا على أن تطلع الجيش إلى السياسة ليس استثناءً عربياً بل هو جزء من تعريفه السياسي في سياقات ما بعد الاستقلال فالجيش في الدول العربية لم يكن مؤسسة دفاعية محايدة بل لعب دوراً في بناء الدولة ذاتها مما جعل حدوده مع السياسة ضبابية وده يطرح إشكالية أساسية لماذا تفشل التجارب الديمقراطية في ترسيخ نفسها رغم نجاح الثورات الشعبية في إسقاط الأنظمة؟
في السودان يتجلى هذا الإطار بوضوح فالدولة السودانية منذ نشأتها ارتبطت بالمؤسسة العسكرية كرافعة أساسية للسلطة والانتقالات الديمقراطية الثلاث (1965، 1986، 2019) لم تدم طويلاً لتعود المؤسسة العسكرية وتستحوذ على مقاليد الحكم مما يؤكد أطروحتنا حول استمرارية النمط رغم تغير الأسماء.

هنا لابد أن نميز بين مفهومي “الثورة” و”الانقلاب” معتبراً أن الانقلاب ليس مجرد حركة عسكرية بل عملية سياسية بامتياز تنشأ من تفاعل معقد بين المؤسسة العسكرية والاستقطابات السياسية والاجتماعية. وتشير دراستنا إلى أن أسباب تدخل العسكريين في السلطة في السودان تعود إلى الاستقطاب السياسي المتزامن مع تسييس المؤسسة العسكرية إذ أصبح العسكريون طرفاً فاعلاً في الصراع السياسي بدلاً من أن يكونوا حكماء بين الفرقاء.
يتجلى ذلك في تاريخ السودان الحديث انقلاب عبود 1958 جاء على خلفية فشل الأحزاب في إدارة الحكم، وانقلاب نميري 1969 حمل شعارات قومية واشتراكية وانقلاب البشير 1989 حمل مشروعاً إسلامياً وانقلاب البرهان 2021 جاء في خضم صراع على الفترة الانتقالية.
في كل هذه الحالات كان الانقلاب امتداداً للصراع السياسي بوسائل عسكرية وليس قطيعة معه
وعموما الجيش في السياق العربي لم يكن أداة محايدة بل ارتبط عضوياً بالطبقة السياسية الحاكمة أو المتحالفة معها.
وفي السودان ارتبطت المؤسسة العسكرية تحالفات متغيرة مع القوى السياسية تحالفت مع الأحزاب التقليدية في فترة ما بعد الاستقلال ثم مع الحركة الإسلامية في عهد البشير ومع قوى الثورة في الفترة الانتقالية 2019-2021 قبل أن تنقلب عليها
هذا التلازم يفسر بسبب استمرار النمط العسكري في الحكم رغم تعدد التجارب المدنية. فالجيش لم يكن طرفاً خارجياً يمارس وصاية مؤقتة بل كان جزءاً من نسيج السلطة السياسية والاقتصادية مما جعل أي انتقال ديمقراطي أشبه بترتيب أوضاع بين شركاء في السلطة وليس انتقالاً حقيقياً
لذلك يتبنى بشارة موقفاً نقدياً من الثورات الشعبية، معتبراً أنها “ليست بالضرورة أكثر كفاءة للوصول للديمقراطية من الإصلاحات من أعلى”. وينظر إلى الثورات على أنها “مخاطرة كبرى” قد تؤدي إلى فراغات تستغل من قبل العسكر.
وتثبت التجربة السودانية هذا التحليل ثورة ديسمبر 2019 التي أطاحت بالبشير لم تؤد إلى ديمقراطية مستقرة بل إلى فترة انتقالية هشة انتهت بانقلاب أكتوبر 2021 ثم إلى حرب أهلية مدمرة منذ أبريل 2023.
فالثورة التي نجحت في إسقاط النظام فشلت في إعادة هيكلة العلاقة مع المؤسسة العسكرية مما أعاد إنتاج النمط القديم وفي هذا السياق يرى بشارة أن نجاح المرحلة الانتقالية في السودان يتوقف على قدرة الجيش على التخلي عن دور الحارس السياسي وهو ما لم يحدث حتى الآن .

يمثل الصراع الدائر في السودان منذ أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع الذروة المأساوية للعلاقة الملتبسة بين الجيش والسياسة فالجيش الذي كان جزءاً من السلطة انقسم على نفسه وتحول الصراع السياسي إلى حرب وجودية.

يبرز هنا سؤال أساسي متى يتحول الجيش من حامٍ للدولة إلى طرف في الصراع على الدولة؟ الإجابة في الحالة السودانية أن الجيش بعد أن أصبح جزءاً من النسيج السياسي والاقتصادي لم يعد قادراً على التمثيل الوطني الجامع بل تحول إلى طرف في الصراع مما أفقد الدولة آخر ركائزها المركزية.
فلابد أن نقدّم إطار نظري و أدوات مفاهيمية غنية لفهم العلاقة الملتبسة بين الجيش والسياسة في السودان
فالسودان ليس حالة شاذة بل نموذج مكثف للإشكالية العربية دولة أقامها الجيش وحكمها العسكر لعقود وعجزت تحولاتها الديمقراطية عن فك الارتباط بالمؤسسة العسكرية لتؤول إلى حرب تفكك الدولة ذاتها.
وكما نخلص بأن مستقبل السودان رهين بقدرة النخب السياسية والمؤسسة العسكرية على إعادة تعريف العلاقة بينهما والخروج من دائرة التداخل التي أثبتت فشلها قرابة سبعة عقود.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.