يا للحسرة… ويا للعار… ويا لزمنٍ أصبح فيه السودان، هذا البلد الذي كان دبلوماسيوه يُشار إليهم بالبنان، يُدار بخطابٍ سياسي يشبه خطب السرادق، ويُخاطب العالم بمنطق «الونسة» في الحِلّة!
مأساة الدبلوماسية السودانية في عهد الكيزان لم تعد تحتاج إلى محللين ولا خبراء استراتيجيين؛ فالرجل الذي يفترض أن يكون وزيراً للخارجية يخرج علينا في تلفزيون الكيزان، بكل ثقة، ليحدثنا عن «المدد الذي جاءهم من الله»، وكأننا لسنا أمام حربٍ دمرت بلداً وشردت شعباً وأحرقت مدناً وقرى. فهل يأتي المدد للأمن والسلام أم للحرب والدمار؟!
لن أناقش الرجل في افترائه على الله، فالله سبحانه وتعالى غني عن شهادة وزيرٍ أو حكومةٍ أو جماعةٍ سياسية، ولا يحتاج إلى أحدٍ ليمنح الهزائم اسماً آخر. ثم إن الله، سبحانه وتعالى، لا يُستدعى لتغطية عجز البشر، ولا تُنسب إليه الأسلحة والقرارات والجرائم التي يصنعها الإنسان بيده. فالله لا يرسل الجيوش بالأسلحة الكيميائية لقتل الشعوب، ولا يطلب من أحدٍ أن يهدم وطنه ثم يخرج على الناس ليقول لهم: «هذا مدد من الله»!
لكن دعونا نأتي إلى “الحتة” المضحكة المبكية في حديث وزير الخارجية: حكاية «حصرنا المليشيا في رقعة صغيرة»! فيا سعادتك… صغيرة وين؟! هل دارفور كلها بقت «حوش صغير»؟ هل ولايات دارفور، بما فيها من مدن وقرى ومساحات شاسعة، أصبحت «رقعة» لا تُرى إلا بالمجهر؟ وهل معظم كردفان، بكل امتدادها، تحولت فجأة إلى «حتة صغيرة» في جغرافيا السودان؟ يا جماعة الخير، نحن بنتكلم عن السودان، ما بنتكلم عن حوش في أم درمان أو في الأبيض!
افتحوا الخريطة يا جماعة! ضعوا السودان أمامكم، ثم ضعوا المناطق التي تقولون إن الدعم السريع موجود فيها، وبعدها حاولوا أن تقنعوا عقولنا بأن كل هذا «بقعة صغيرة»! هل ثلث مساحة السودان أصبح صغيراً؟ هل ملايين السودانيين الذين يعيشون في تلك المناطق أصبحوا مجرد «تفاصيل» لا تدخل في الحساب؟ هل دارفور وكردفان، بكل هذا الامتداد الجغرافي والبشري، أصبحتا في عرف وزارة الخارجية مجرد «حتة في الركن»؟
ياخي دي ما دبلوماسية! دي «دبلوماسية أمجاد»! دبلوماسية من نوع: «نحن منتصرون… لكن ما تسألونا وين!» والأطرف من ذلك كله: حتى لو صدقناكم، حتى لو افترضنا جدلاً أنكم حصرتم الدعم السريع في «رقعة صغيرة» كما تقولون، فهل تركتم تلك الرقعة الصغيرة لأنها لا تستحق القتال؟ أم لأنها أكبر من قدرتكم؟ أم لأنكم لا تستطيعون الوصول إليها؟ ثم بالله عليكم، منذ متى أصبح ترك أجزاء واسعة من الوطن خارج سيطرة الدولة انتصاراً؟ أي قاموس عسكري هذا؟ وأي قاموس سياسي؟ وأي قاموس دبلوماسي؟ هل صار الانتصار عندكم أن تقول للناس: «أنا ما خسرت السودان كله… أنا خسرت جزءاً منه بس»؟
يا جماعة، السودان ليس لعبة «استغماية»! المواطن لا يريد أن يعرف أين اختبأت المليشيا، ولا يريد أن يسمع قصصاً عن «المدد» و«الانتصارات» و«الرقع الصغيرة». المواطن يريد أن يعرف: متى تنتهي الحرب؟ متى يعود إلى وطنه وإلى بيته؟ متى يأمن على أطفاله؟ متى تفتح المدارس كلها أبوابها؟ متى تتوقف الطائرات عن القصف؟ متى تتوقف البنادق من حصد ارواح السودانيين اينما كانوا؟ ومتى يعود السودان للسودانيين؟
أما أن يخرج علينا مسؤول في وزارة الخارجية ليبيع لنا الانتصار في عبوة إعلامية، بينما الواقع أمام أعيننا يقول شيئاً آخر، فهذه ليست دبلوماسية، وإنما تسويق سياسي للفشل. يا وزير الخارجية… العالم كله عنده خرائط. والعالم كله عنده أقمار صناعية. والعالم كله يرى ما يحدث في السودان. فلا تحاولوا أن تقنعوا العالم بأن دارفور «بقعة صغيرة»، ولا أن كردفان «حتة صغيرة»، ولا أن ملايين السودانيين مجرد رقم في هامش نشرة الأخبار. ولا تحاولوا أن تجعلوا من الهزيمة نصراً بمجرد تغيير الاسم. فالهزيمة تظل هزيمة، ولو زُيّنت بألف بيان. والكارثة تظل كارثة، ولو غُطيت بألف شعار. والسودان يظل جريحاً، ولو خرج ألف مسؤول ليقولوا لنا إن الجرح «مجرد خدش بسيط».
يا أهل الكيزان وأتباعهم من “البلابسة”… كفاية لعباً بعقول الناس! كفاية تجارة بالدين! كفاية استدعاء اسم الله لتغطية أخطاء البشر! وكفاية بيع الوهم للسودانيين! فالسوداني الذي فقد بيته لا تعنيه حكاية «المدد». واللاجئ الذي يتسول الطعام لا يطربه ترديد نغمة «سوف ننتصر». والنازح الذي ينام على الأرض لا تعنيه قصة «الرقعة الصغيرة». والأم التي فقدت أبناءها لا يهمها من يملك الخريطة ومن يملك البيانات. كل ما يهمها أن تتوقف الحرب. أما أنتم، فقد أصبحتم بارعين في صناعة الانتصارات من بين ركام الهزائم، وفي استخراج البطولات من رحم الكوارث، وفي تحويل الفشل إلى «إنجاز»، والكارثة إلى «فتح»، والخراب إلى «مدد إلهي»! اللهم لا تؤاخذنا بما يفعل السفهاء منا… الدبلوماسيون! فقد كنا نعرف الدبلوماسي السوداني رجلاً يزن كلماته بميزان الذهب، فإذا بنا اليوم أمام خطابٍ يجعلنا نتساءل: هل نحن أمام وزارة خارجية لدولة اسمها السودان، أم أمام نشرة علاقات عامة لجماعة نبحث عن نصرٍ لم تجده في الميدان؟ رحم الله الدبلوماسية السودانية… فقد ماتت يوم صار الكذب سياسة، وصارت المبالغة انتصاراً، وصارت الخريطة نفسها تحتاج إلى «تصحيح» من وزير الخارجية!
أما السودان… فسيبقى أكبر من كل أكاذيبكم. وأبقى من كل حكوماتكم. وأعظم من كل أحزابكم. وسيأتي يومٌ تُفتح فيه دفاتر التاريخ، ويُسأل كل واحدٍ منكم: ماذا فعلتم بالسودان؟ وحينها لن تنفعكم عبارة «المدد جاءنا من الله»، ولا حكاية «حصرنا المليشيا في رقعة صغيرة»… فالتاريخ لا يصدق البيانات… والسودان لا يُحكم بالكذب!
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.