فقه الإشاعة في كتاب إعلام الكيزان

الصادق حمدين

لكل زمان فقهاؤه، غير أن زماننا البئيس هذا ابتُلي بفقه جديد، لا يعرفه أهل العلم ولا تعترف به مناهج المنطق؛ اسمه فقه الإشاعة. فقه يقوم على قاعدة واحدة: “انشر أولاً… وفكّر لاحقاً”، أكذب بثقة، ونافق بصدق، فإن صدّق الناس فذلك هو المطلوب، وإن كذّبوا فلتخرج إشاعة أخرى أكثر صخباً وضجيجاً، فما أكثر البضائع في سوق الأوهام، وما أكثر حوانيت الضلال والنفاق في معارض الخبث والزيف.
وأهل هذا الفقه من أساطين غرف صناعة الإشاعة وذبابهم الإلكتروني وجرادهم الملتحي لا يرهقون أنفسهم بعبء الدليل، ولا يشغلهم عناء التحقق، لأن الدليل في عرفهم يفسد متعة الرواية، والحقيقة تقطع الطريق أمام الخيال. ولذلك تراهم ينسجون القصص كما ينسج العنكبوت خيوطه؛ كثيرة التشعب، لكنها لوهنها لا تحتمل أول نسمة من رياح الحقيقة.
ومن طرائف هذا الفقه أن أصحابه يطالبون الناس بالإيمان قبل الاطلاع، وبالتصديق قبل السؤال. فإن سألتهم: من أين أتيتم بهذا الخبر؟ قالوا: “المصادر”. فإذا سألت: وأين المصادر؟ قالوا: “الثقات”. فإذا طلبت دليلاً، اتهموك بأنك لا تفهم السياسة ولا تعرف تعقيداتها فدعنا نفكر بالإنابة عنك!
وهكذا تُدار بعض المعارك الإعلامية؛ ليس بالعقول، وإنما بالأمنيات والرغبات. فكلما استعصى الواقع على التأويل، استعانوا بالإشاعة. وكلما خذلتهم الوقائع، احتموا بالغموض. ثم إذا انهارت الرواية، لم يعتذروا، بل انتقلوا في هدوء إلى رواية جديدة، واتبعوا سياسة التجاهل، وكأن شيئاً لم يكن.
ليس الكذب عند الكيزان وذبابهم وناشطوهم كسالى الذهن، محدودو الأفق عارضاً يعتري خطابهم، بل هو بنية ذهنية ونمط وجود يكاد يلازم أنفاسهم؛ إذ لا يقوى على مجابهة الحقيقة إلا من يملكها، أما هم فيدركون أن نورها كفيل بتمزيق الأقنعة وكشف المستور، فيلوذون بعتمة الزيف، ويتحصنون في أقبية الخداع، ويختزنون أوهامهم في خوابي الوهم حتى يغدو الباطل عندهم بديلاً عن الواقع.
يتزيّنون بادعاء المعرفة، غير أن المعرفة لا تُنال بالدعاوى، ولا تستقيم إلا بدليل ينهض بها، وهم أعجز من أن يحملوا تبعة الدليل أو يلتزموا مقتضياته. فإذا افتُضح تناقضهم، وانكشف تهافت رواياتهم، لم يسعوا إلى إثبات ما ادّعوه، بل لجؤوا إلى مغالطة مألوفة، فقلبوا أصول المناظرة رأساً على عقب، وألقوا عبء الإثبات على من كشف زيفهم، كأن الباطل يُكتسب بالادعاء، وكأن الحقيقة مطالبة دائماً بأن تعتذر عن وضوحها
إن أخطر ما في الإشاعة أنها لا تستهدف فرداً بعينه، وإنما تستهدف وعي المجتمع في صميمه. فهي تُطبع النفوس على تقبّل الادعاءات بغير بينة، وتُعوِّد العقول على تداول المزاعم دون تمحيص، حتى يغدو طلب الدليل موضع ريبة، ويصبح التمسك بالتحقق ضرباً من السذاجة في نظر دعاة الإثارة وصنّاع التضليل. وحينئذ يُصوَّر التشكيك في الروايات الجاهزة على أنه خيانة للوطن، أو ارتهان للخارج، أو خروج عن الملة، فتُصادَر العقول باسم الوطنية، ويُقمع التفكير باسم الغيرة على الدين، وتتحول الإشاعة من مجرد خبر كاذب إلى أداة تُفسد الوعي، وتعبث بعقول الناس، وتقوّض أسس الحقيقة في المجتمع.
وليس من الأخلاق والأمانة أن يُطلب من الناس أن يصدقوا كل ما يمر أمامهم لأن صاحبه يرفع شعاراً سياسياً أو يتاجر بنص ديني أو يهاجم خصماً سياسياً. فالأوطان لا تُحمى بالضجيج، وإنما تُحمى باحترام الحقيقة، والصدق مع الناس، وصيانة عقولهم من التضليل.

لقد علمتنا التجارب أن الأكاذيب قد تكسب جولة من الانتباه، لكنها تخسر معركة الزمن. فما يُبنى على الوهم لا يلبث أن ينهار أمام الحقيقة، وما يقوم على الدليل يبقى وما يقوم على الوهم يزول، ولو تأخر ظهوره. ولذلك فإن الإشاعة لا تحتاج إلى من يصفق لها بقدر ما تحتاج إلى من يسألها السؤال الذي تخشاه دائماً: أين الدليل الذي يعضد وجودها؟
ولعل أجمل ما في الشعب السوداني أنه، رغم قسوة المحن، ما زال يمتلك حاسة تميز بين من يخاطب عقله ومن يخاطب غرائزه. وقد يخدعه الخبر مرة، لكنه لا يسمح للكذبة أن تتحول إلى تاريخ، ولا للدعاية أن تحل محل الحقيقة.
أما فقه الإشاعة، فمصيره كمصير كل فقه بلا أصل، وكل خطاب بلا دليل، وكل ضجيج بلا مضمون. يعلو صوته حيناً، ثم يخفت، وتبقى الحقيقة وحدها، لا تحتاج إلى مكبرات صوت، لأنها لا تخشى الامتحان. فالأوطان لا تبنى بوهم الإشاعة ولا يتم تعميرها بسياسة رزق اليوم باليوم.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.