ليس من السهل على المرء أن يشيد بكاتبٍ طالما انتقد بعض ما كتب، كما أنه ليس من المروءة أن نرفض كلمةً صادقة لمجرد أن قائلها ليس من جماعتنا، أو أن نغمض أعيننا عن الحقيقة لأن صاحبها وقف، في يوم من الأيام، في الضفة التي لا نقف فيها. فالحق لا يحتاج إلى بطاقة عضوية. والحقيقة لا تسأل صاحبها: أنت مع من؟
ولهذا، فإننا حين نعود اليوم إلى مقال الصحفي عثمان ميرغني في عموده «حديث المدينة»، المنشور في ٢٣ يوليو ٢٠٢٥ بعنوان «البرهان: أتمنى أن يذكرني التاريخ» والذي أعادت كثير من الوسائط نشره مجددا، فإننا لا نعود إليه مجاملةً لكاتبه، ولا ننسى ما اختلفنا معه فيه، وإنما نعود إليه لأن الرجل قال في ذلك المقال كلامًا كان ينبغي أن يهزّ عرش الوهم، وأن يوقظ أهل السلطة من غفلتهم، وأن يجعلهم يعيدون حساباتهم قبل أن تتسع الكارثة.
لقد قال عثمان ميرغني، آنذاك، للبرهان، ببساطة جارحة: التاريخ لا يملك في سجل حكمك ما يستحق أن تفاخر به. لا طريق. لا مصنع. لا جامعة. لا مستشفى. لا مطار. لا مشروع زراعي. لا تنمية. ثم مضى الرجل يذكّر البرهان بأن السودان، منذ توليه السلطة، عاش واحدة من أقسى مراحله، وأن الدم الذي سال، والدمار الذي وقع، والنزوح الذي تمدد، والهجرة التي ابتلعت أجيالًا، كلها حقائق لن تستطيع آلة الدعاية أن تمحوها من دفتر التاريخ.
وهنا نقول: أحسنت يا عثمان! أحسنت لأنك قلت للسلطة ما لا تحب أن تسمعه. أحسنت لأنك وضعت المرآة أمام وجهها، بدل أن تضع البخور تحت أنفها. أحسنت لأنك قلت للبرهان إن التاريخ لا يكتب بالأمنيات، ولا بالهتافات، ولا بالبيانات العسكرية، ولا بأغاني الانتصار التي تُبث كل صباح، ثم تستيقظ البلاد في المساء على خبر سقوط مدينة جديدة أو قرية جديدة أو روح جديدة.
لكننا، ونحن نشيد بهذا المقال، لا نستطيع أن نتجاهل سؤالًا أكبر: أين كان هذا الكلام حين كان السودان لا يزال يملك فرصةً أكبر للنجاة؟ لقد كنا نكتب. ونحذر. ونصرخ. ونقول إن الطريق الذي تسير فيه السلطة لن يقود إلى دولة. وقلنا إن تحويل الحرب إلى مسرح للبطولات الوهمية لن ينقذ السودان. وقلنا إن إغراق الناس في خطاب «النصر المؤزر» بينما الواقع يزداد سوءًا هو نوع من التخدير السياسي الذي قد يؤجل مواجهة الحقيقة، لكنه لا يلغيها. وقلنا إن الذين يصفقون لكل شيء، ويعتبرون كل نقد خيانة، ويصنفون كل مخالف عميلًا، إنما يضرون بالسلطة أكثر مما يخدمونها. لكن شيئًا من ذلك لم يكن يعجب أهل السلطة. فهم يريدون من الصحفي أن يكتب لهم: «كل شيء تمام». ويريدون من المثقف أن يقول: «أنتم على حق». ويريدون من الشعب أن يصفق. ويريدون من الحرب أن تستمر. ويريدون من الناس أن تصمت. ويريدون من التاريخ أن يكتب لهم ما يحبون. لكن التاريخ، يا سادة، ليس موظفًا في القصر الجمهوري. والتاريخ لا يتلقى راتبه من البرهان. ولا يتلقى تعليماته من الإسلاميين. ولا يكتب بأمر من غرف الدعاية.
فالتاريخ، حين يأتي يوم الحساب، لا يسأل عن عدد المؤتمرات الصحفية، ولا عن عدد البيانات العسكرية، ولا عن عدد المرات التي قيل فيها إن «العدو في الرمق الأخير». التاريخ يسأل عن الحقيقة. والحقيقة أن السودان دفع ثمنًا فادحًا لحكمٍ لم ينجح في بناء دولة مستقرة، ثم دخل في حرب أكلت الأخضر واليابس.
والحقيقة أن الإسلاميين، الذين يتحدثون اليوم بلسان الوطنية وكأنهم اكتشفوا السودان أمس، لا يستطيعون أن يتبرؤوا من تاريخهم السياسي، ولا أن يطلبوا من الشعب أن ينسى السنوات التي أمسكوا فيها بمفاصل الدولة، وأقاموا نظامًا جعل الولاء السياسي معيارًا للوظيفة، وأفسدوا الخدمة المدنية، وأضعفوا المؤسسات، وأدخلوا البلاد في دوامة من الاستقطاب والانقسامات.
ثم عادوا، بعد أن دارت عليهم الدوائر، ليقدموا أنفسهم باعتبارهم «حماة الوطن»! فيا لها من مفارقة! من أفسد الدولة بالأمس لا يصبح مصلحًا لمجرد أنه رفع شعار الدفاع عن الجيش اليوم. ومن أخطأ في إدارة الوطن لا يصبح معصومًا لأنه تحدث عن الوطنية. والوطنية ليست أن تهتف للجيش. الوطنية أن تبني دولةً لا يحتاج فيها الجيش إلى خوض حرب كل بضع سنوات. والوطنية ليست أن تجعل من القائد صنمًا. الوطنية أن تجعل المؤسسة فوق الأشخاص. والوطنية ليست أن تُخيف الناس من نقد السلطة. الوطنية أن تحمي حق الناس في النقد.
ولذلك فإننا نقول للبرهان، ولمن حوله، وللإسلاميين الذين يحاولون إعادة إنتاج أنفسهم تحت دخان الحرب: لا تخلطوا بين الجيش وبينكم. الجيش يجب أن يكون مؤسسة وطنية. أما أنتم فطبقة سياسية. والجيش يجب ان يكون ملكاً للسودانيين جميعًا. وليس ملكًا لحزب أو جماعة أو تيار. ومن يحب الجيش حقًا لا يحوله إلى درع سياسي يحتمي خلفه. ومن يريد للجيش أن يبقى عظيمًا، عليه أن يخرجه من سوق السياسة.
أما أنتم، فبدل أن تقدموا للشعب مشروعًا لبناء الدولة، تقدمون له كل يوم نشرة جديدة عن «النصر الوشيك» حتى أم دافوق. وكلما طال أمد الحرب، زاد الحديث عن الانتصار. وكلما اتسعت رقعة الخراب، ارتفعت نبرة الاحتفال. وكلما نزح مئات الآلاف، قيل للشعب: اصبروا، النصر قريب!
ثم يأتي الغد. ولا ينتهي الغد. ويأتي بعده غد. ولا ينتهي النصر. حتى صار السودان، في قاموس الدعاية الاعلامية لقناة العربية والحدث، بلدًا ينتصر منذ سنوات، بينما المواطن السوداني نفسه يبحث عن وطن ينتصر فيه على الجوع والنزوح والخوف. أي انتصار هذا؟ وما قيمة أن تقول إنك انتصرت، بينما ملايين السودانيين خارج بيوتهم؟ ما قيمة أن ترفع العلم فوق مبنى، بينما آلاف الأسر لا تعرف أين ستنام؟ ما قيمة السيطرة على مدينة إذا كانت الدولة نفسها تنهار؟ ما قيمة النصر العسكري إذا لم يتحول إلى سلام؟ وما قيمة الحرب التي لا يعرف أهلها متى تنتهي؟ لقد آن الأوان أن نقول الحقيقة دون خوف: الانتصار الذي لا ينقذ الإنسان ليس انتصارًاً. والانتصار الذي لا يعيد النازح إلى بيته ناقص. والانتصار الذي لا يعيد الكهرباء ناقص. والانتصار الذي لا يعيد المدرسة إلى الطفل ناقص. والانتصار الذي لا يعيد المستشفى إلى المريض ناقص. والانتصار الذي لا يعيد الاقتصاد إلى الحياة ناقص. والانتصار الذي لا ينتهي بدولة مدنية ديمقراطية مستقرة ليس إلا محطة أخرى في طريق الأزمة.
وهنا نعود إلى عثمان ميرغني. لقد قال للبرهان إن التاريخ لا يزال مفتوحًا. ونقول نحن: نعم، التاريخ مفتوح. لكن الصفحة أصبحت أكثر سوادًا. والثمن أصبح أكثر فداحة. والفرصة أصبحت أضيق. والمطلوب اليوم ليس أن يثبت البرهان أنه انتصر على خصومه. المطلوب أن يثبت أنه استطاع أن ينقذ السودان. وهذا لا يكون بإطالة الحرب. ولا بإعادة الإسلاميين إلى واجهة الدولة. ولا بإنتاج ديكتاتورية جديدة تحت شعار «الظرف الاستثنائي». ولا بتحويل الجيش إلى حزب سياسي مسلح. ولا باستنساخ المليشيات. ولا بإسكات كل صوت ناقد. ولا باعتبار كل من يختلف مع السلطة خائنًا. إنما يكون بإعادة الدولة إلى الشعب. وبإعادة الجيش إلى دوره القومي. وبإقامة نظام مدني ديمقراطي يختار فيه السودانيون حكامهم بإرادتهم. وبإخراج الدين من سوق المزايدة السياسية. وبناء دولة المواطنة التي لا تسأل السوداني عن قبيلته، ولا جهته، ولا حزبه، ولا عقيدته السياسية، وإنما تسأله عن حقه في الحياة والحرية والكرامة.
وهنا، بالضبط، نختلف جذريًا مع مشروع الإسلاميين. فالسودان ليس مشروع جماعة. ولا هو غنيمة حرب. ولا هو دولةً دينية تُدار من خلف الستار. فالسودان وطن متعدد. والدولة التي تحترم هذا التنوع لا تحتاج إلى قهر الناس باسم الدين. والدين أسمى من أن يكون أداةً للوصول إلى السلطة. والإيمان أكبر من أن يتحول إلى لافتة انتخابية. والله لا يحتاج إلى حزب يحكم باسمه. والشعب لا يحتاج إلى وصيٍّ يتحدث باسم الله ثم يطلب منه أن يصمت.
وهذا هو جوهر القضية التي ظللنا نقولها: لا خلاص للسودان من عقلية الوصاية. لا وصاية العسكر. ولا وصاية الإسلاميين. ولا وصاية الأحزاب. ولا وصاية المثقفين. ولا وصاية أي جماعة تزعم أنها وحدها تعرف مصلحة الشعب. فالشعب السوداني هو صاحب الحق في تقرير مصيره. وهو الذي ينبغي أن يختار حكومته. وهو الذي ينبغي أن يحاسبها. وهو الذي ينبغي أن يغيرها. وهذه هي الديمقراطية التي يخشاها المستبدون، ويخاف منها تجار الدين، ويهرب منها أصحاب المصالح.
أما نحن، فقد قلنا لهم من قبل، ونقولها اليوم: لا تخدعوا أنفسكم بالتصفيق. فقد صفق كثيرون لأنظمة كثيرة قبل أن تسقط. ولا تغتروا بالهتاف. فالهتاف لا يوقف الحرب. ولا تغتروا بالانتصارات الإعلامية. فالشعب يرى بعينيه. ولا تظنوا أنكم تستطيعون أن تكتبوا التاريخ بأقلامكم. فالتاريخ سيكتب وحده. سيكتب أسماء الذين أوقفوا الحرب. وسيكتب أسماء الذين أشعلوها. سيكتب أسماء الذين أنقذوا الدولة. وسيكتب أسماء الذين استخدموا الدولة لخدمة جماعتهم. سيكتب أسماء الذين قالوا الحقيقة. وسيكتب أسماء الذين باعوا الحقيقة من أجل كرسي.
أما نحن، فما كتبناه بالأمس، وما نكتبه اليوم، لم يكن بحثًا عن موقع في السلطة، ولا عن عطية من حاكم، ولا عن رضا جماعة. نحن لم نكن نريد من البرهان شيئًا. ولم نكن نريد من الإسلاميين شيئًا. ولم نكن نريد من أي سلطة شيئًا. كل ما أردناه أن يسمعوا. أن يتوقفوا. أن يراجعوا. أن يفهموا أن السودان أكبر منهم جميعًا. ولهذا، فإننا نحيي عثمان ميرغني على مقاله القديم، ونقول له: لقد أصبت حين قلت للبرهان إن التاريخ ينتظر. لكننا نقول للبرهان اليوم: التاريخ لم يعد ينتظر طويلًا. ولن تنفعك يوم الحساب كثرة المادحين. ولن تنفعك بيانات الانتصار. ولن تنفعك جيوش إلكترونية تصنع لك عالمًا من الوهم. ولن تنفع الإسلاميين محاولتهم إعادة كتابة تاريخهم بالحبر الذي سال من دماء السودانيين. فالتاريخ أذكى من الدعاية. والشعب أذكى من الأكاذيب. والحقيقة، مهما تأخر ظهورها، لا بد أن تظهر. وفي النهاية، سيبقى السؤال الكبير: هل أنقذتم السودان، أم أنكم أنقذتم مواقعكم؟
هنا فقط سيعرف التاريخ من كان مع الوطن. ومن كان مع السلطة. ومن كان مع الشعب. ومن كان مع الجماعة. ومن كان يكتب للحقيقة. ومن كان يكتب لحسابه. أما نحن، فسوف نستمر في قول ما نراه حقًا. قد نخطئ. وقد نصيب. لكننا لن نبيع ضمائرنا للتصفيق. ولن نعبد الأشخاص. ولن نخلط بين الجيش والوطن. ولن نخلط بين الإسلاميين والإسلام. ولن نخلط بين الحرب والوطنية. ولن نخلط بين الانتصار العسكري وبين خلاص السودان. فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من المنتصرين في الخطب. السودان يحتاج إلى من ينتصر للإنسان. وهذه، في نهاية الأمر، هي المعركة الحقيقية.
والله من وراء القصد.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.