القوة المشتركة… هل تتحول إلى كبش فداء للمرحلة القادمة؟

تيسير المبارك

كلما اقتربت الحروب من نهاياتها، تبدأ معركة من نوع آخر؛ معركة إعادة توزيع المسؤوليات، وتحديد من يتحمل كلفة المرحلة السابقة، ومن يحتفظ بموقعه في ترتيبات المرحلة الجديدة. وفي السودان، تبدو القوة المشتركة التابعة للحركات المسلحة طرفاً يثار حول مستقبله كثير من التساؤلات، في ظل الحديث عن تغيرات محتملة في موازين القوى والتحالفات السياسية والعسكرية.
لقد دخلت الحركات المسلحة الحرب الحالية باعتبارها حليفاً للجيش السوداني، مؤكدة أن مشاركتها تأتي دفاعاً عن الدولة ومؤسساتها. إلا أن استمرار القتال، وارتفاع الكلفة البشرية، وتعقيد المشهد السياسي، فتح الباب أمام نقاش متزايد حول موقع هذه الحركات في أي تسوية أو ترتيبات مستقبلية.
وتذهب بعض القراءات السياسية إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد إعادة صياغة للتحالفات داخل معسكر السلطة، وهو ما يدفع إلى التساؤل عما إذا كانت القوة المشتركة ستظل شريكاً أساسياً، أم أنها ستواجه ضغوطاً تقلص من دورها السياسي والعسكري.
ويشير مراقبون إلى أن المشهد داخل القوى المؤيدة للجيش ليس كتلة واحدة متجانسة، بل يضم تيارات ومجموعات ذات رؤى ومصالح مختلفة. وفي هذا السياق، تتداول بعض القوى السياسية اتهامات بوجود أطراف محسوبة على الحركة الإسلامية أو جماعات مسلحة متحالفة مع الجيش تسعى إلى تعزيز نفوذها داخل مؤسسات الدولة. في المقابل، لا توجد أدلة مستقلة تثبت وجود خطة منظمة لإقصاء القوة المشتركة، كما لم تصدر مواقف رسمية تؤكد مثل هذه الاتهامات.
ومع ذلك، فإن التاريخ السياسي السوداني يقدم نماذج لتحالفات تغيرت مع تغير موازين القوى. فكثير من الشركاء في مراحل الصراع وجدوا أنفسهم لاحقاً خارج دوائر التأثير عندما بدأت ترتيبات السلطة، وهو ما يجعل هذه المخاوف حاضرة في النقاش العام، حتى وإن بقيت في إطار التحليل السياسي.
كما أن استمرار الحرب يزيد من الضغوط على الحركات المسلحة نفسها. فكل خسارة ميدانية أو بشرية تقلل من قدرتها على التفاوض مستقبلاً، بينما يظل رصيدها السياسي مرتبطاً بقدرتها على الحفاظ على تماسكها الداخلي وعلى الدور الذي يمكن أن تلعبه في أي عملية سلام قادمة.
وتبرز هنا معضلة أخرى، وهي العلاقة بين اتفاق جوبا للسلام والحرب الحالية. فالحركات المسلحة دخلت السلطة عبر اتفاق سياسي هدفه إنهاء النزاعات، لكنها أصبحت طرفاً في نزاع جديد، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مستقبل الاتفاق نفسه، ومدى تأثير الحرب على المكتسبات التي ترتبت عليه.
ويرى بعض المحللين أن أي عملية سياسية جديدة قد تعيد النظر في ترتيبات تقاسم السلطة، وإصلاح القطاع الأمني، ودمج القوات، وهو ما قد ينعكس على وضع جميع القوى المسلحة، بما فيها القوة المشتركة. وفي المقابل، يرى آخرون أن استمرار مشاركة الحركات في الملفات الأمنية قد يمنحها دوراً يصعب تجاوزه في أي تسوية مستقبلية.
في النهاية، لا يبدو أن السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت القوة المشتركة ستبقى أو تُستبعد، بل كيف ستُعاد صياغة الخريطة السياسية والعسكرية بعد توقف الحرب. فإذا كانت التحالفات العسكرية بطبيعتها متغيرة، فإن استقرار أي مرحلة انتقالية سيظل مرهوناً بقدرة جميع الأطراف على الانتقال من منطق السلاح إلى منطق المؤسسات.
ولهذا، فإن مستقبل القوة المشتركة لن يتحدد فقط بما جرى في ميادين القتال، وإنما أيضاً بما ستسفر عنه المفاوضات، وبقدرة القوى السودانية على بناء تسوية سياسية تستوعب مختلف الأطراف، بعيداً عن منطق الإقصاء الذي كان أحد أسباب تعاقب الأزمات في السودان.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.