المعلمون يفتحون «صندوق الأسرار»… وحكومة بورتسودان مطالبة بالإجابة!

نورا عثمان

لم تعد قضية المعلمين السودانيين تقتصر على المطالبة بتحسين الأجور أو صرف المستحقات المالية المتأخرة، بل تحولت إلى مواجهة مباشرة مع أسئلة تتعلق بكيفية إدارة قطاع التعليم، ومدى الالتزام بمعايير الشفافية والعدالة في توزيع الفرص والموارد داخل واحدة من أهم مؤسسات الدولة.
فالبيان الذي أصدرته لجنة المعلمين السودانيين تحت عنوان “تصاعد التساؤلات بشأن المحسوبية وشبهات الفساد في قطاع التعليم” لم يكتفِ بإعادة طرح المطالب المعيشية، وإنما انتقل إلى إثارة ملفات وصفها بالحساسة، تتعلق بإدارة المدارس السودانية بالخارج، وقوائم الابتعاث والاحتياطي، ونقل المعلمين، والحوافز والمخصصات، إلى جانب ما أشار إليه من تساؤلات حول إجراءات طباعة أحد الكتب المدرسية في القاهرة.
هذه القضايا، لا تمثل مجرد مخالفات إدارية، بل تمس ثقة العاملين في القطاع التعليمي، وتضع المؤسسات الرسمية أمام مسؤولية توضيح الحقائق للرأي العام. أما إذا كانت تلك الاتهامات غير صحيحة، فإن الرد الموثق والمعلن يظل الوسيلة الأكثر فاعلية لإنهاء الجدل وإعادة بناء الثقة.
إن المال العام ليس ملكاً لمؤسسة أو مسؤول، وإنما هو حق للمواطن، وإدارة الوظيفة العامة تقوم على مبدأ المساءلة والشفافية. لذلك، فإن أي تساؤلات تتعلق بالتعيينات أو الابتعاث أو الامتيازات الوظيفية تستحق إجابات واضحة، لا سيما في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها السودان.
ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه المعلم السوداني أداء رسالته وسط واحدة من أصعب الأزمات التي مرت على البلاد. فقد أغلقت مدارس، وتعطلت العملية التعليمية في مناطق واسعة، وتراجعت القيمة الحقيقية للرواتب بصورة غير مسبوقة، بينما تحمل آلاف المعلمين مسؤولية استمرار التعليم في ظروف اقتصادية وأمنية بالغة التعقيد.
ولذلك فإن الشعور بالغبن لا يرتبط فقط بتدني الأجور، وإنما أيضاً بإحساس كثير من العاملين بأن العدالة الإدارية قد تكون غائبة إذا لم تكن معايير الاختيار والترقي والتكليف معلنة وواضحة وخاضعة للرقابة.
واللافت أن بيان لجنة المعلمين لم يكتفِ بانتقاد الأوضاع المعيشية، بل نقل النقاش إلى مستوى أكثر حساسية، يتمثل في المطالبة بمراجعة آليات اتخاذ القرار داخل وزارة التربية والتعليم، وهو ما يفرض على الجهات المختصة التعامل مع هذه المطالب باعتبارها قضية مؤسسية، لا مجرد خلاف نقابي عابر.
إن الثقة في المؤسسات العامة لا تُبنى بالتصريحات، وإنما بالمعلومات الموثقة. فحين تتزايد التساؤلات حول إدارة قطاع حيوي كالتعليم، يصبح من حق المجتمع أن يعرف كيف تُدار الموارد، وما هي معايير الاختيار، وكيف تُصرف الأموال العامة، ومن يراقب تنفيذ تلك الإجراءات.
وإذا كانت حكومة بورتسودان ووزارة التربية والتعليم تؤكدان سلامة الإجراءات المتبعة، فإن أفضل وسيلة لإثبات ذلك هي نشر الحقائق، وتمكين الجهات الرقابية من أداء دورها، والإجابة على ما ورد في بيان لجنة المعلمين بلغة الوثائق والأرقام، لا بلغة النفي المجرد.
إن تجاهل هذه الأسئلة لن يؤدي إلى إغلاق الملف، بل قد يوسع دائرة الشكوك ويزيد من فجوة الثقة بين المعلمين والمؤسسات الرسمية. فالتجارب تؤكد أن الصمت في القضايا العامة لا يبدد التساؤلات، وإنما يترك المجال للشائعات والتأويلات.
لقد فتح المعلمون باب النقاش، ووضعوا أمام الرأي العام جملة من الأسئلة التي يرون أنها تستحق الإجابة. واليوم، لم تعد الكرة في ملعبهم، بل في ملعب الجهات الرسمية، التي يقع على عاتقها تقديم ردود واضحة وشفافة، حفاظاً على هيبة المؤسسات وثقة المواطنين.
فإصلاح التعليم لا يبدأ بطباعة كتاب جديد، ولا بإصدار تعميم إداري، وإنما يبدأ بإصلاح المؤسسة نفسها، وترسيخ مبادئ النزاهة والشفافية، وضمان تكافؤ الفرص، ومحاسبة أي تجاوزات يثبت وقوعها عبر إجراءات قانونية عادلة. فالتعليم الذي يُراد له أن يبني جيلاً جديداً، يحتاج أولاً إلى مؤسسة تحظى بثقة من يحملون رسالته كل يوم.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.