تك يا نعامة المك.. بصوت من ليس في فيه ماء

حسن عبد الرضي

ليس في هذا البلد ما يحرق القلب أكثر من أن ترى رجلاً يتوهّم أنه قَدَرٌ على شعب، وأن الحرب قدرٌ لا خيار، وأن استمرارها بطولة، وأن إيقافها هزيمة!
فيا من تصر على استمرار الحرب… كفى تماديًا في إحراق السودان! كفى إصرارًا على إراقة دم السودانيين!
فكل يوم يمضي، والميديا تحمل إلينا صور الموت: جثث الأبرياء، وأطفالًا تحت الركام، ونساءً في معسكرات النزوح، ومرضى يموتون بلا دواء، وآخرين يموتون قهرأ، وأسرًا تتشرد من بيت إلى بيت ومن بلد إلى آخر، ووطنًا يُسحق تحت أقدام الحرب.
هذه ليست حياة.
وهذه ليست كرامة.
وهذه ليست بطولة.
هذه حرب تأكل السودان ببطء، وتلتهم الإنسان السوداني أمام أعين العالم.
وأنت، يا مشعلها، بحكم موقعك ومسؤوليتك، لا تستطيع أن تتنصل من مسؤوليتك عن استمرار هذه الحرب.
إن كل يوم تستمر فيه، وكل روح تُزهق، وكل بيت يُهدم، وكل طفل يُيتم، سيظل سؤالًا معلقًا في رقبتك أمام شعبك، وأمام التاريخ، وأمام الله.
ونسيت يا هذا؟
نسيت أن فوقك ربًا سائلك؟
سائلك عن دم العُزّل الذي سال.
عن الشيخ الذي مات في مسجده.
عن الطفل الذي بُترت يده.
عن الأم التي دفنت أبناءها في حفرة واحدة.
عن الأسرة التي خرجت من بيتها ولم تعد إليه.
عن الملايين الذين شُرّدوا من ديارهم، وصار الوطن عندهم ذكرى، والبيت خيمة، والمستقبل مجهولًا.
سائلك يوم القيامة، يوم ينصب الميزان، ويُسأل الإنسان عما قدمت يداه.
فماذا ستقول؟
هل ستقول: كنتُ أبحث عن النصر؟
وهل يشفع النصر ــ إن جاء ــ في دم إنسان بريء؟
وهل يمكن أن يُبنى وطن على جماجم أبنائه؟
إن السلطة لا تعفي صاحبها من الحساب، والسلاح لا يمنح حامله براءة، والرتبة العسكرية لا ترفع عن الإنسان مسؤوليته أمام ضميره وربه وتاريخه.
لكن يبدو أنك، يأيها “الحلمان”، قد أصممت أذنيك، ورهنت سمعك لأصوات علماء السلطان؛ أولئك الذين يلبسون ثوب الدين ليمنحوا الحرب غطاءً مقدسًا، ويحولوا السياسة إلى فتوى، والقتل إلى واجب، والدم إلى “قربان” على مذبح السلطة.
إنهم ــ في نظرنا ــ تجار الفتوى، وعلماء آخر الزمان؛ أولئك الذين يجعلون النص تابعًا للهوى، ويبحثون في كتاب الله عما يوافق موقفهم، ثم يتركون ما لا يوافقه.
ألم يخرج علينا الشيخ محمد الأمين إسماعيل يتلو القرآن، ثم يقدم تفسيرًا انتقائيًا له بما يخدم موقفه؟
نقول له: لم لم تقرأ الآيات كاملة؟
ألم تقرأ قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ..﴾ قافزا فوق «فأصلحوا بينهما» إلى (وقاتلوا التي تبغي…)؟
فلماذا تترك أصل الآية، وهو الإصلاح، وتستدعى منها ما يبرر القتال؟
فإن القرآن لا يُقرأ على مقاس البندقية، ولا يُستدعى لتبرير الحرب.
ومن أراد أن يتحدث باسم القرآن، فعليه أن يحمله كله، لا أن ينتقي منه ما يخدم موقفه ويترك ما يطالبه بالإصلاح والرحمة وحقن الدماء.
فالقرآن ليس مطية للسياسة، ولا سيفًا في يد السلطان، ولا غطاءً دينيًا لحرب لا تنتهي.
ألم يعد ذلك كفراً، عندكم، إن تجرأ عليه أخرون؟!
ولماذا يخرج عبد الحي يوسف، صاحب المواقف والفتاوى السياسية المثيرة للجدل، ليواصل خطابه المحرض على الحرب، بدل أن يكون صوته مناديًا بحقن الدماء وإطفاء النار؟
أهذا احتقار لنا وتسفيه؟
فها نحن نسأله: أما آن لهذه الحرب أن تنتهي؟
أما آن للدم السوداني أن يتوقف عن النزيف؟
أما آن للعلماء ــ إن كانوا علماء حقًا ــ أن يقولوا للمتقاتلين: كفى؟
آلمنا أن نرى من يرفع راية القرآن، ويتصدر المشهد الديني، أن يظهر في صور تذكارية مع رجال يحملون السلاح، بينما تتواصل في البلاد انتهاكات مروعة، ويُقتل شباب السودان، وتُلقى الاتهامات جزافًا، ويُعامل كل مخالف باعتباره عدوًا أو خائنًا.
إن الوقوف مع أي طرف مسلح لا يمنح صاحبه حصانة أخلاقية.
ولا توجد عمامة تستطيع أن تجعل الباطل حقًا.
ولا لحية تستطيع أن تحول القتل إلى عبادة.
ولا ختمٌ ديني يستطيع أن يمنح الحرب قداسة.
ونحن لا نبرئ طرفًا من جرائمه بإدانة طرف آخر.
ولا نرى في قتل المدنيين بطولة، سواء جاء القتل من الجيش أو الدعم السريع أو أي قوة مسلحة أخرى.
فدم السوداني حرام، أيًا كان اسم قاتله.
وهنا نقول لأولئك الذين يتصدرون المشهد الديني والسياسي: اتقوا الله في السودان!
اتقوا الله في الأطفال.
اتقوا الله في النساء.
اتقوا الله في الشيوخ.
اتقوا الله في الشباب الذين أُخذوا من بيوتهم إلى الموت.
اتقوا الله في هذا الشعب الذي لم يعد يريد منكم خطبًا عن النصر، وإنما يريد أن يعيش!
فلقد آن الأوان لكسر التابوهات التي صنعها بعض “مثقفي” السودان بصمتهم وخوفهم.
خافوا من العمامة.
وخافوا من اللحية.
وخافوا من المنبر.
وخافوا من أن يقولوا للشيخ: أخطأت!
فصار بعض من يسمون أنفسهم “رجال الدين” فوق النقد، وفوق السؤال، وفوق المحاسبة.
ونحن نقولها بلا خوف: ليس في الإسلام كهنوت.
وليس للدين رجال يحتكرون الحديث باسمه.
ليس هناك بشر فوق السؤال.
ليس هناك شيخ فوق النقد.
فكل إنسان مسؤول عن عقله وضميره وعمله.
والدين ليس عمامة.
والدين ليس لحية.
والدين ليس منبرًا يُستخدم لتبرير الحرب.
الدين رحمة.
الدين عدل.
الدين حرية ضمير.
الدين حقن للدماء.
الدين أن ترى الإنسان إنسانًا، قبل أن تراه جنديًا أو سياسيًا أو مؤيدًا أو معارضًا.
أما أنتم، فاعلموا أن الحرب ليست بطولة.
البطولة أن توقفوها.
والشجاعة ليست أن تتمسكوا بالسلطة حتى آخر قطرة دم سودانية.
الشجاعة أن تعترفوا بأن الحرب أكلت من السودان أكثر مما أعطته، وأن تجدوا طريقًا إلى السلام.
البطولة أن تنقذوا ما يمكن إنقاذه.
أن تحفظوا ما تبقى من الوطن.
أن تجعلوا حياة السوداني أغلى من كرسي السلطة.
وأما نحن، الذين ليس في أفواهنا ماء، فلسنا خائفين من قول الحقيقة.
ولذلك نقولها لكم، بلسان سوداني صريح لا يعرف المواربة: (تك يا نعامة المك!)، ونقولها لكل من يظن أن العمامة تمنحه حصانة: تك يا نعامة المك!
ولكل من يجعل القرآن تابعًا لهواه: تك لنعامة المك!
ولكل من يرى الدم السوداني وسيلة إلى السلطة: تك لنعامة المك!
وسنقول الأشياء بأسمائها.
سنقول للظالم: أنت ظالم.
وللمحرض: أنت محرض.
ولمن يستغل الدين في السياسة: أنت تسيء إلى الدين.
ولمن يبرر قتل الأبرياء: لن يغطيك ثوب الدين.
ولمن يصمت عن الدم: صمتك ليس براءة.
فالدم الذي أُريق لن يختفي من ذاكرة السودان.
والبيوت التي هُدمت لن تُمحى من التاريخ.
والأمهات اللاتي فقدن أبناءهن لن ينسين.
والأطفال الذين كبروا على الخوف سيحملون أسئلتهم إلى المستقبل.
وكل من شارك في هذه المأساة، بالكلمة أو الفعل أو التحريض أو التبرير أو الصمت، سيظل أمام سؤال التاريخ: ماذا فعلت حين كان السودان يحترق؟
أما الله سبحانه وتعالى، فلا تخفى عليه خافية.
وأما التاريخ، فلا ينسى.
وأما الشعب، فقد يصمت حينًا… لكنه لا ينسى.
فأوقفوا الحرب قبل أن يضيع ما تبقى من الوطن.
أوقفوا الموت قبل أن يصبح الموت هو الوطن.
وليتذكر كل من يملك قرار الحرب أن السودان ليس ملكًا له، وأن الشعب ليس وقودًا لمعركة السلطة، وأن أعظم انتصار يمكن أن يحققه القائد ليس أن يهزم خصمه… بل أن ينقذ شعبه من الموت.
فالسودان أكبر من كل قائد.
وأبقى من كل سلطة.
وأغلى من كل معركة.
والإنسان السوداني، في نهاية الأمر، هو الوطن.
فإذا مات الإنسان… مات السودان وهلك الوطن.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.