أزمة الإدارة الزراعية وشبكات النفوذ التداعيات التدميرية على مشروع السوكي الزراعي
بقلم: طارق محمد أحمد الفكي
يمثل مشروع السوكي الزراعي نموذجاً صارخاً لانهيار منظومة الأمن الغذائي والاقتصادي في السودان نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في رأس الهرم الإداري. لقد انحرف منصب “المدير الزراعي” عن غاياته الوظيفية والدستورية في حفظ وصيانة مقدرات الإنتاج، ليتحول إلى واجهة صامتة ومنفصلة كلياً عن نبض الحقل. هذا العجز القيادي لم يعد مجرد فراغ إداري عابر، بل اقترن بتورط مؤسسي وشراكة فعلية ضمن شبكات نفوذ ضيقة (لوبيات) وجهت مقدرات المشروع نحو خدمة أجندات خاصة، مما أفرز بيئة من تعارض المصالح وأسهم بصورة مباشرة في تقويض البنيان الإنتاجي للمشروع، لا سيما خلال الستة مواسم الأخيرة (منذ موسم 2020-2021 وحتى الآن)، وهي الفترة التي شهدت ذروة التدهور والانحدار الممنهج.
الاحتكار الإداري ومؤشرات تعارض المصالح
لا يمكن قراءة ما آلت إليه أوضاع مشروع السوكي بمنعزل عن الهيمنة الإدارية المطلقة التي كرست لتعارض المصالح؛ حيث يجمع المدير الزراعي بين قيادة الإدارة الزراعية للمشروع والإشراف المباشر على أربعة تفاتيش رئيسية، متولياً بصورة خاصة إدارة “تفتيش 44 ود تكتوك” (أحد الأقسام الأربعة الاستراتيجية)، فضلاً عن ترؤسه منظومة حساسة من اللجان التنفيذية وفي مقدمتها “لجنة السكن”.
هذا التداخل المفرط في الصلاحيات أدى إلى خلق بيئة إدارية مغلقة ومحصنة ضد الرقابة والمحاسبة، حيث تُصاغ الخطط والدراسات وتُحبس في الأدراج لتصبح حبراً على ورق، بينما تدار مقدرات الأقسام بمعزل عن معايير الكفاءة والشفافية. إن السكون المريب حيال الكوارث الميدانية والتفرج السلبي على انهيار المواسم الزراعية طوال الفترة الماضية يعكسان تخلياً تاماً عن المسؤولية القانونية والأخلاقية المنوطة بإدارة الأصول العامة.
تبخر الدعم وشبهات المراجعة المالية
يثير الواقع المالي والميداني للمشروع خلال المواسم الستة الأخيرة تساؤلات قانونية ومحاسبية ملحة تستدعي تدخلاً عاجلاً من ديوان المراجعة القومي ووزارة المالية، للتحقيق في مصير ميزانيات التأهيل المرصودة وتدفقات الدعم المقدمة من المنظمات الدولية والمحلية. إن التبخر الممنهج لهذه المخصصات المالية في مهب الريح – وسط غياب الشراكات المسؤولة وتلاشي العائد الإنتاجي – يستوجب التحقيق الجنائي حول قنوات صرف تلك الأموال وانحرافها عن مسارها المخصص لتأهيل البنية التحتية.
وقائع التخريب الممنهج والبنية التحتية المنهارة
على الأرض، تجسدت سياسات الإهمال في وقائع مادية بالغة القسوة؛ فقد أدى عدم اكتمال صيانة الطلمبات إلى حرمان آلاف الأفدنة من المياه، بالتزامن مع إهمال متعمد طال الترع والمصارف والمواجر التي غيبت تحت أطنان من الطمي والأشجار والحشائش الكثيفة، مما عطّل كفاءة الأداء الهيدروليكي للمشروع بأكمله. وغابت الحلول الهندسية الحديثة لإدارة المياه، مكتفية بأساليب إسعافية عقيمة لاستنزاف الميزانيات، صاحبها تخبط عشوائي في توقيتات فتح وإغلاق المياه تسبب في تشبع التربة وملوحتها أو جفافها تماماً
هذا التخبط أفضى إلى “دوامة الموت المحصولي”، حيث يتأرجح مصير الإنتاج بين غرق مدمر يجتاح الحقول أو عطش قاتل يحيل الأرض الخصبة إلى هباء منثور. ولم تقف التداعيات عند حدود الحقول، بل امتدت لتشمل تصفية ونهب الأصول الاستراتيجية؛ حيث تم استبدال الطلمبات وذهاب محلج المشروع وتسليمه لجهات غير معلومة، وتلاشت البساتين الغناء تحولت لحواشات وخوت الورش والمخازن على عروشها، وعربات الغيط وآليات العمل بيعاً في “صف الدلالة” بثمن بخس، في حين تحولت المكاتب الإدارية إلى خراب كلي، واستغلت السكنات المهيبة تحت غطاء “لجنة السكن” لتصبح مأوى لأشخاص خارج منظومة الموظفين والعمال، في تعدٍ سافر على حرمة المال العام.
المأساة الإنسانية ونزيف الاقتصاد الوطني
لم تقتصر هذه الكارثة على الجانب المادي، بل امتدت لتخلف مأساة إنسانية واجتماعية واسعة؛ فقد أدى انهيار المشروع إلى هجرة عكسية وموجات نزوح جماعي لصغار المزارعين والعمال الزراعيين من قري مشروع السوكي نحو مناطق التعدين في السودان ومصر ، مما أفرغ المنطقة من قواها الإنتاجية الشابة إلي الجبال والمنافي دون فيزا ولا جواز سفر وحول المجتمعات في عدد(٢٠٠) قريه إلى جيوب للفقر والبطالة بعد أن واجه المزارعون شبح الإفلاس دون أي تدخل إسعافي. وعلى الصعيد القومي، حرم خروج المشروع من دائرة الإنتاج الخزانة العامة للدولة من عائدات استراتيجية ضخمة كانت تقدمها محاصيل الصادر، مما فاقم بصورة مباشرة من أزمة الأمن الغذائي الوطني.
المخرج القانوني والمجتمعي
إن ما يمر به مشروع السوكي ليس مجرد تعثر طبيعي، بل هو عملية تقويض ممنهجة ومدروسة تستوجب تشكيل لجنة تقصي حقائق مستقلة لتجريم “الإهمال العمدي” و”سوء الإدارة الجسيم”، إلى جانب تحرك فوري لنيابة الثراء الحرام للتحفظ على الأصول المنهوبة وإبطال عقود التصرف غير القانونية فيها.
ولحماية ما تبقى من هذا الصرح، تبرز الحاجة الملحة لتأسيس “جبهة إنقاذ مشروع السوكي”؛ ككيان مدني رقابي يضم المزارعين، والخبراء الزراعيين، والمجتمع المدني، لرصد الانتهاكات ومتابعة الملفات العدلية. فالتخوف الأكبر الماثل اليوم لا يكمن فقط فيما خسرناه، بل في ألا يتبقى من هذا الصرح العريق شيء يُنقذ على الإطلاق.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.