مكة والرمز المقاتل.. السعودية بين أزمة التحالف ومتاهة السودان

نورا عثمان

حين تضيق مساحة السياسة، تبدأ الرموز الدينية في التقدم إلى الواجهة. وحين تصبح التحالفات عاجزة عن تقديم إجابة مقنعة، يمكن أن تتحول الجغرافيا المقدسة إلى لغة بديلة، أكثر تأثيراً في المشاعر وأقل حاجة إلى الشرح. وربما لا يوجد رمز أكثر قوة في الوجدان الإسلامي من مكة، ولذلك فإن إدخالها في خطاب الصراع لا يبقى مجرد توصيف لموقع جغرافي، بل يتحول سريعاً إلى استدعاء لمشاعر مئات الملايين من المسلمين.

وهنا تبدأ القصة الأكثر إثارة للجدل في السياسة السعودية الجديدة: اتفاق دفاعي ثلاثي أُعلن من مكة، ثم تهديدات أمنية اختُبرت بعدها قدرة هذا الاتفاق على الانتقال من الورق إلى الفعل، قبل أن تعود مكة نفسها إلى صدارة الخطاب مع إعلان السعودية اعتراض مسيرة جنوب المدينة المقدسة.

في السابع من أغسطس 2026، وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاق مكة للدفاع المشترك، ونص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً، مع تعزيز التعاون الدفاعي والردع المشترك.

لم يكن اختيار مكة تفصيلاً عادياً. البيان الرسمي نفسه استند إلى «الأخوة والتضامن الإسلامي» وإلى الروابط التاريخية بين الدول الثلاث، ما منح الاتفاق منذ لحظة ولادته غطاءً رمزياً يتجاوز الحسابات العسكرية البحتة.

لكن المشكلة أن الرمزية لا تعترض الصواريخ.

بعد أسابيع قليلة، ومع تصاعد الهجمات الحوثية على السعودية، اضطرت باكستان إلى توضيح أن أي استجابة عسكرية بموجب اتفاق مكة لم تكن قد نوقشت، رغم تأكيدها الالتزام بالاتفاق.

هنا ظهرت الفجوة التي حاول الخطاب السياسي أن يغطي عليها: اتفاق يتحدث عن أن الاعتداء على دولة هو اعتداء على الجميع، لكن أول اختبار حقيقي أعاد السؤال إلى نقطة الصفر: ماذا يعني «الجميع» عندما يأتي وقت الفعل؟

وهو ما لا يعني أن الاتفاق بات بلا قيمة، أو أن باكستان وتركيا ملزمتان بإرسال قوات إلى حرب جديدة. بل إن وزير الخارجية التركي أوضح أن الاستجابة ستعتمد على طبيعة الهجوم، وأن الدولة المتضررة ستطلب نوع المساعدة التي تحتاج إليها.

لكن هذه التفاصيل تحديداً تكشف أن الصورة التي رسمها الإعلان كانت أكثر صلابة من آلية التنفيذ نفسها.

فإذا كان الرد يحتاج إلى طلب، وإذا كان نوع المساعدة يحتاج إلى تحديد، وإذا كانت الدول ستقرر لاحقاً طبيعة الاستجابة، فإن الحديث عن تحالف دفاعي يشبه تلقائياً منظومة دفاع جماعي يصبح أقل بساطة مما بدا في يوم التوقيع.

ثم جاءت مكة مرة أخرى.

قالت السعودية إن دفاعاتها الجوية اعترضت مسيرة أطلقتها جماعة الحوثي جنوب مكة قبل دخولها المجال الجوي المحظور، ووصفت حماية المقدسات بأنها «خط أحمر». لكن الحوثيين نفوا استهداف مكة، واعتبروا الرواية السعودية غير صحيحة.

وهنا لا تكمن المسألة في حسم رواية طرف ضد آخر من دون أدلة مستقلة كافية، وإنما في الطريقة التي تغير بها معنى الحادثة بمجرد دخول اسم مكة إلى المشهد.

فالهجوم على السعودية يصبح، في لحظة، هجوماً على مكة، والتهديد الأمني يتحول إلى قضية دينية، والاعتداء على دولة يتحول إلى اعتداء على رمز مقدس يخص العالم الإسلامي كله.

هذه النقلة في الخطاب شديدة القوة سياسياً.

فبدلاً من أن يكون السؤال: لماذا فشلت منظومة الردع في منع الهجمات؟ يصبح السؤال: من يقف مع مكة؟ وبدلاً من مناقشة حدود التحالف وآليات الدفاع المشترك، تنتقل المعركة إلى مستوى عاطفي يجعل الاعتراض على الرواية السياسية يبدو، لدى البعض، وكأنه اعتراض على حماية المقدسات نفسها.

وهنا تحديداً يجب الحذر. مكة مقدسة عند المسلمين، لكن قدسية مكة لا ينبغي أن تتحول إلى مظلة تحجب الأسئلة السياسية المشروعة. حماية المقدسات مسؤولية دينية وإنسانية وأمنية، لكنها لا تعفي أي حكومة من تقديم تفسير واضح لتحالفاتها السياسية والعسكرية، ولا تمنح أي اتفاق عسكري وسياسي حصانة من النقد.

فالتحالفات تُقاس بالقدرة، لا بالرمزية. والردع يُقاس بما يمنعه، لا بما يقال عنه.

ومن هذه النقطة يصبح السودان أكثر من مجرد ملف آخر في السياسة السعودية.

السودان هو المكان الذي تظهر فيه مشكلة مختلفة، لكنها متصلة بجذر واحد: كيف تتحرك السعودية بين خطاب الاستقرار وحسابات القوة؟

تقول الرياض إنها تريد سوداناً موحداً ومستقراً، وتحافظ على سيادته ووحدة أراضيه. لكن السودان الذي تتعامل معه السعودية ليس دولة مستقرة تنتظر دعماً لإعادة البناء؛ إنه دولة تخوض حرباً مفتوحة، ويعمل داخل معسكراتها خليط من العسكريين والسياسيين والحركات المسلحة والتيارات الأيديولوجية و«الإخوان المسلمين»، بينما تتنافس القوى الإقليمية والدولية على التأثير في مستقبل البلاد.

والجيش السوداني، الذي يحظى بدعم سياسي من بعض دول الإقليم، لا يعمل في فراغ سياسي. داخل المعسكر المؤيد له توجد الحركة الإسلامية السودانية التي لها حضورها ونفوذها، في وقت أعلنت فيه واشنطن في مارس 2026 تصنيف الحركة الإسلامية السودانية ولواء البراء بن مالك ضمن قوائم الإرهاب.

هنا تظهر المفارقة السعودية بأوضح صورها.

كيف يمكن دعم الجيش باعتباره مؤسسة للدولة، في الوقت الذي توجد داخل معسكره قوى أيديولوجية من «الإخوان» تتعارض مع الخطاب السعودي الرافض لنفوذ الإسلام السياسي؟

قد يكون الجواب أن دعم الجيش لا يعني دعم الإسلاميين. وهذا صحيح من حيث المبدأ.

لكن السياسة لا تتوقف عند النيات.

السؤال هو: من يخرج أقوى من الدعم؟ ومن يمتلك القدرة على التأثير في مستقبل المؤسسة؟ ومن يضمن أن الدعم الذي يقدم باسم الدولة لن يتحول، بعد انتهاء الحرب، إلى رصيد سياسي وعسكري لقوى أخرى؟

وهنا يصبح السودان اختباراً حقيقياً للسياسة السعودية أكثر من أي بيان. فإذا كانت الرياض تريد دولة سودانية مستقرة، فعليها أن تحدد أي دولة تقصد. دولة يحكمها الجيش بصورة غير مباشرة؟ دولة مدنية بجيش مهني؟ دولة تتقاسم فيها القوى المسلحة النفوذ؟ أم دولة تعود فيها المؤسسة العسكرية إلى ثكناتها وتتحول السياسة إلى المجال المدني؟ أما الاكتفاء بدعم عنوان «الدولة» من دون الإجابة عن شكلها، فقد يؤدي إلى حفظ الدولة كهيكل، بينما يبقى الصراع على مضمونها مفتوحاً. وهذا هو الخطر الأكبر في السياسة الإقليمية: أن تتحول إدارة الأزمة إلى بديل عن حلها.

السعودية تملك أوراقاً مهمة في السودان، كما تملك موقعاً لا يمكن تجاهله في أمن البحر الأحمر. لكن النفوذ لا يعني بالضرورة القدرة على صناعة النتيجة. وكلما اتسعت شبكة التحالفات، اتسعت معها التناقضات التي تحتاج إلى إدارة بعقلانية.

ومن مكة إلى السودان، تبدو المسألة في جوهرها واحدة: ماذا يحدث عندما تصبح الرمزية أكبر من القدرة على التنفيذ؟

في مكة، جرى تقديم التحالف في إطار التضامن الإسلامي والدفاع المشترك، ثم جاءت الأسئلة حول آلية الرد عندما بدأ الاختبار. وفي السودان، يجري الحديث عن وحدة الدولة واستقرارها، بينما تظل الأسئلة معلقة حول شكل الدولة المقبلة، وحدود دور الجيش، وموقع الإسلاميين، وطبيعة التسوية التي يمكن أن تنهي الحرب.

المشكلة ليست أن السعودية تستخدم الدين في خطابها؛ فهذا جزء معروف من مكانة مكة وموقع المملكة في العالم الإسلامي. المشكلة تبدأ عندما تتحول القداسة إلى أداة سياسية لتوسيع دائرة التعاطف، أو إلى وسيلة تجعل النقد السياسي يبدو كأنه تشكيك في الدفاع عن المقدسات.

فمكة أكبر من أي تحالف، وأكبر من أي حكومة، وأكبر من أن تتحول إلى غطاء لأسئلة لا تريد السياسة الإجابة عنها. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت السعودية قادرة على حشد المسلمين حول رمزية مكة؛ فهذه الرمزية موجودة قبل أي تحالف وستبقى بعده.

السؤال الأصعب هو: هل تستطيع الرياض أن تحشد قوة سياسية وعسكرية حقيقية حول تحالفاتها، أم أنها كلما تعثرت الحسابات الأمنية عادت إلى قوة الرمز الديني لتعويض ضعف الفعل السياسي والعسكري؟

وفي السودان يتكرر السؤال بصورة أخرى: هل تريد السعودية دولة مستقرة فعلاً، أم استقراراً يحمي مصالحها ولو بقيت التناقضات التي أنتجت الحرب قائمة؟ فالسياسة لا تُختبر في لحظة الإعلان، ولا في حرارة الخطاب، ولا في قدسية المكان «مكة المكرمة». تُختبر عندما ينتهي التصفيق، وتبدأ الحسابات، ويصبح على الحلفاء أن يقرروا: ماذا سيفعلون؟ هناك فقط يسقط الغطاء الرمزي، وتظهر حقيقة التحالفات.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.