بين استمرار القتال وانهيار الدولة وتداخل المصالح الإقليمية: إلى أين تتجه الأزمة السودانية في المرحلة المقبلة؟
أواب عزام البوشي
لم يعد المشهد السوداني مجرد حرب مفتوحة بين الجيش وقوات الدعم السريع. فمع استمرار القتال وتراجع قدرة الدولة على إدارة اقتصادها ومؤسساتها، تحولت البلاد تدريجياً إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية، خصوصاً حول البحر الأحمر وممراته الاستراتيجية.
وفي قلب هذه المعادلة تبرز الحركة الإسلامية السودانية باعتبارها أحد الأطراف الأكثر تمسكاً باستمرار الحرب وبقاء المنظومة العسكرية التي تمنحها فرصة للعودة إلى السلطة. ومع تضييق الخناق السياسي عليها داخلياً، أصبح الدعم الخارجي بالنسبة إليها أكثر أهمية، سواء جاء في صورة سلاح أو تمويل أو علاقات إقليمية.
وهنا تبرز إيران وتركيا بصورة مختلفة. إيران تتحرك من خلال التعاون العسكري وشبكات التسليح، بينما تسعى تركيا إلى توسيع حضورها الاقتصادي والاستراتيجي في السودان، خصوصاً على ساحل البحر الأحمر. وبين الطرفين تقف حكومة بورتسودان، التي تحتاج إلى السلاح والغطاء السياسي والاقتصادي، لكنها في المقابل تفتح الباب أمام نفوذ خارجي متزايد.
إيران والكيزان: السلاح مقابل النفوذ :-
منذ استعادة العلاقات الدبلوماسية بين طهران والخرطوم في أكتوبر 2023، لم تعد العلاقة بين الطرفين مجرد تقارب سياسي. فقد ظهرت مؤشرات متزايدة على انتقال التعاون إلى المجال العسكري، مع تقارير تحدثت عن وصول مسيّرات ومعدات عسكرية إيرانية إلى الجيش السوداني.
وبحسب ما ورد في تقارير ووثائق أمريكية، شملت شبكات الإمداد طائرات مسيّرة من طراز “مهاجر-6″، إضافة إلى معدات وذخائر، فيما كشفت التحقيقات الأمريكية عن شبكات مالية ولوجستية استخدمت دولاً وشركات وسيطة لإتمام الصفقات.
هذه المعطيات مهمة لأنها تكشف أن الحرب السودانية لم تعد تعتمد فقط على الموارد المحلية. فكلما طال أمد الحرب، أصبح الطرفان أكثر اعتماداً على الخارج، وتحولت الموانئ والمطارات والطرق الإقليمية إلى جزء من معركة الإمداد.
لكن السؤال الأهم ليس فقط: ماذا تقدم إيران للسودان؟
السؤال هو: ماذا تريد إيران في المقابل؟
البحر الأحمر هو الإجابة الأكثر منطقية.
فالسودان يحتل موقعاً استراتيجياً على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وقربه من باب المندب وشبه الجزيرة العربية يجعله نقطة مهمة في الحسابات الإيرانية المتعلقة بالبحر الأحمر. وقد سبق أن تحدثت تقارير عن مساعٍ إيرانية للحصول على موطئ قدم بحري على الساحل السوداني.
حتى إذا لم يتحول ذلك إلى قاعدة عسكرية دائمة، فإن مجرد وجود شبكة نفوذ لوجستية وعسكرية في دولة تطل على البحر الأحمر يمنح طهران قيمة استراتيجية كبيرة.
وهنا تكمن المشكلة الأكبر بالنسبة للسودان: عندما تتحول الحاجة إلى السلاح إلى مدخل لمنح قوى خارجية نفوذاً في الموانئ والمطارات والمجال العسكري، فإن الحرب لا تعود مجرد صراع على السلطة، بل تصبح جزءاً من صراع أكبر على الجغرافيا.
تركيا: نفوذ اقتصادي بغطاء استراتيجي :-
إذا كانت إيران تدخل السودان أساساً من بوابة التعاون العسكري، فإن تركيا تستخدم أدوات أكثر تنوعاً.
أنقرة تنظر إلى السودان باعتباره دولة ذات أهمية اقتصادية وجيوسياسية، خصوصاً بسبب موقعه على البحر الأحمر وموارده الزراعية والمعدنية وموانئه.
وخلال السنوات الأخيرة، توسعت الاتصالات بين القيادة السودانية والحكومة التركية، وبرز التعاون في مجالات التجارة والزراعة والتعدين والصناعات الدفاعية.
كما تحدثت تقارير عن حصول الجيش السوداني على مسيّرات ومعدات تركية، فيما ظهرت أسلحة تركية حديثة في أيدي قوات موالية للجيش.
وفي أغسطس 2026، برز ملف إعادة إعمار ميناء سواكن والتعاون المتعلق بأمن البحر الأحمر بصورة أكثر وضوحاً.
المشكلة هنا ليست في حق تركيا في إقامة علاقات اقتصادية مع السودان. فمن الطبيعي أن تسعى الدول إلى حماية مصالحها التجارية والاستراتيجية.
لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول العلاقة مع طرف واحد داخل حرب أهلية إلى نفوذ طويل الأمد في دولة منهكة، دون وجود تسوية سياسية شاملة.
فالسودان الذي يحتاج إلى إعادة بناء مؤسساته وموانئه واقتصاده يحتاج أيضاً إلى سياسة خارجية متوازنة، لا إلى استبدال نفوذ داخلي بنفوذ إقليمي جديد.
وهذا تحديداً ما يجعل الدور التركي مختلفاً عن الدور الإيراني، لكنه لا يجعله أقل أهمية في الحسابات الجيوسياسية للمنطقة.
واشنطن: تعرف أين يذهب السلاح، لكنها لا تستطيع إغلاق كل الأبواب :-
تملك الولايات المتحدة أدوات ضغط كبيرة على أطراف الحرب السودانية، لكنها لا تملك القدرة على التحكم الكامل في شبكة التسليح الدولية.
العقوبات المالية أصبحت إحدى أهم أدوات واشنطن. واستهداف الشركات والشبكات التي تمول الحرب يمكن أن يرفع كلفة استمرارها، خصوصاً على المؤسسات المرتبطة بالدولة.
كما أن ملف الأسلحة الكيميائية أضاف مستوى جديداً من الضغط الأمريكي على حكومة بورتسودان، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى توسيع نطاق حظر الأسلحة الأممي ليشمل كامل السودان بدلاً من اقتصاره على دارفور.
وفي سبتمبر 2026، ظهر هذا الملف بصورة واضحة داخل مجلس الأمن. فبدلاً من تمديد نظام العقوبات لمدة عام كما جرت العادة، انتهى المجلس إلى تمديد تقني لمدة شهر واحد فقط، في خطوة تعكس حجم الخلاف الدولي حول مستقبل نظام حظر السلاح.
الموقف الروسي والصيني يمثل عقبة أساسية أمام أي توسع سريع في العقوبات الأممية. لكن مجرد طرح واشنطن لتوسيع الحظر يكشف أن السودان أصبح يحتل موقعاً أكثر أهمية في الحسابات الأمريكية.
وهنا يجب التفريق بين أمرين:
واشنطن تستطيع أن تعاقب شبكات التمويل والتسليح.
لكنها لا تستطيع بسهولة إغلاق كل طرق السلاح.
فالشبكات تمتد عبر دول متعددة، والأموال يمكن أن تتحرك من خلال شركات وسيطة وأنظمة مالية غير رسمية، كما أن تعدد الجهات الداعمة يجعل فرض حصار شامل أمراً بالغ الصعوبة.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تستطيع واشنطن وقف السلاح؟
بل: هل تستطيع رفع تكلفة وصوله إلى درجة تجعل استمرار الحرب أقل جاذبية؟
وهنا تبدو الإجابة أكثر واقعية.
البحر الأحمر: الحلقة التي تربط السودان باليمن وإيران
لا يمكن فهم التحركات الأمريكية في السودان بمعزل عن البحر الأحمر.
فالساحل السوداني يقع بالقرب من أحد أهم الممرات التجارية العالمية، وأي تحول في طبيعة القوة العسكرية الموجودة على الساحل يمكن أن تكون له تداعيات تتجاوز حدود السودان.
وتزداد أهمية هذا الأمر مع تصاعد نفوذ الحوثيين في اليمن واستمرار التوتر حول باب المندب.
من وجهة نظر واشنطن، لا تريد الإدارة الأمريكية فتح جبهات عسكرية جديدة بلا ضرورة. وهذا يفسر حرصها على التعامل مع أزمة البحر الأحمر من خلال الدعم الاستخباري والتنسيق مع حلفائها، بدلاً من الانخراط في حرب مفتوحة جديدة.
هذه السياسة تكشف شيئاً مهماً عن طريقة تفكير واشنطن: الأولوية ليست إنهاء كل أزمة، وإنما تحديد أي الأزمات تستحق استخدام القوة الأمريكية المباشرة.
إيران بالنسبة إلى واشنطن تمثل مركزاً رئيسياً في معادلة المواجهة الإقليمية، بينما يبقى السودان في مرتبة مختلفة من الأولويات.
ولهذا من غير المتوقع أن تذهب الولايات المتحدة بسهولة إلى مواجهة مباشرة مع تركيا أو إيران بسبب شحنات عسكرية متجهة إلى السودان.
وهذا يمنح الأطراف الإقليمية مساحة للمناورة.
لماذا قد تصبح العقوبات أكثر أهمية من الضربات العسكرية؟
لأن واشنطن تدرك أن الحرب السودانية لا يمكن حسمها من الخارج بسهولة.
القوة العسكرية الأمريكية تستطيع تدمير منشأة أو اعتراض شحنة، لكنها لا تستطيع إعادة بناء الدولة السودانية أو فرض تسوية سياسية على السودانيين بالقوة.
لذلك تصبح العقوبات أداة أكثر واقعية.
العقوبات لا توقف الحرب في يوم واحد، لكنها تفعل شيئاً آخر: تجعل الحرب أكثر تكلفة.
وهذا العامل قد يكون أكثر أهمية على المدى الطويل.
فالحكومة التي تدير الحرب تحتاج إلى الأموال والوقود والسلاح والطيران والسيولة والقدرة على التعامل مع النظام المالي الدولي. ومع انهيار الاقتصاد السوداني وتراجع قيمة العملة وارتفاع تكاليف الحرب، تصبح كل عقوبة جديدة جزءاً من عملية استنزاف بطيئة.
قد لا تؤدي العقوبات إلى انهيار عسكري مباشر، لكنها تقلل مساحة المناورة.
وهذا تحديداً ما قد يدفع الأطراف، في مرحلة لاحقة، إلى البحث عن تسويات جزئية بدلاً من الاستمرار في محاولة تحقيق نصر كامل.
اقتصاد منهك وسلاح منتشر: لماذا يصبح الحسم أصعب؟ :-
المشكلة أن الحرب أنتجت واقعاً جديداً لا يمكن اختزاله في الجيش والدعم السريع فقط.
فمع مرور الوقت، ظهرت تشكيلات مسلحة متعددة ذات مصالح محلية وقبلية وجهوية، وبعضها لا يخضع بصورة كاملة لقيادة مركزية.
وهذا يعني أن استمرار الحرب لا يؤدي فقط إلى استنزاف الجيش والدعم السريع، بل يؤدي أيضاً إلى تفكيك احتكار الدولة للسلاح.
كلما طال القتال، أصبح من الصعب إعادة جمع هذه الأسلحة تحت قيادة واحدة.
وهنا تظهر مفارقة خطيرة.
الاستنزاف الاقتصادي يضعف قدرة الأطراف الرئيسية على مواصلة الحرب، لكن انتشار السلاح يجعل الوصول إلى سلام شامل أكثر صعوبة.
أي أن الحرب قد تصبح أقل قدرة على تحقيق الحسم، وفي الوقت نفسه أكثر صعوبة في الإيقاف.
وهذا هو الخطر الحقيقي للمرحلة المقبلة.
إلى أين يتجه السودان؟
أمام السودان ثلاثة مسارات رئيسية.
أولاً: الجمود العسكري والتقسيم الفعلي
وهو السيناريو الأكثر واقعية في المدى القريب.
قد يرسخ الجيش وحلفاؤه نفوذهم في الشمال والشرق وأجزاء من الوسط، بينما تحافظ قوات الدعم السريع على مناطق نفوذها في الغرب وكردفان.
لن يكون ذلك بالضرورة تقسيمًا رسمياً، لكنه سيكون تقسيمًا عملياً للسلطة ومراكز القرار والموارد.
وهذا السيناريو يعني استمرار السودان كدولة واحدة على الورق، لكن بمراكز قوى متعددة على الأرض.
ثانياً: تسوية سياسية تدريجية
هذا هو السيناريو الأقل كلفة على السودانيين.
لكنه يتطلب أولاً وقفاً للقتال، ثم ترتيبات أمنية وسياسية تضمن عدم عودة البلاد إلى الصيغة التي أنتجت الحرب.
وهنا تحديداً تصبح قضية مستقبل المؤسسة العسكرية، وإبعاد القوى الحزبية المسلحة عن القرار العسكري، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، ملفات لا يمكن تجاوزها.
فالسلام الذي يعيد إنتاج أسباب الحرب لن يكون سلاماً، بل هدنة مؤقتة.
ثالثاً: التفكك والفوضى
وهذا هو السيناريو الأسوأ.
إذا استمر انتشار السلاح وظهرت مراكز قوى جديدة، فقد ينتقل السودان من صراع بين قوتين رئيسيتين إلى صراع بين عدد كبير من الفصائل.
عندها لن يكون السؤال: من ينتصر؟
بل: من يستطيع السيطرة على أي منطقة؟
وهذا هو الطريق الذي قد يقود إلى نموذج يشبه “الصوملة”، حيث تتوزع السلطة بين أمراء حرب ومجموعات مسلحة ومراكز نفوذ محلية.
المعركة الحقيقية ليست على بورتسودان فقط :-
ما يحدث في السودان اليوم أكبر من معركة عسكرية على مدينة أو إقليم.
إنه صراع على شكل الدولة المقبلة.
الكيزان يريدون الحفاظ على النفوذ الذي منحهم إياه استمرار الحرب والمؤسسة العسكرية التي أصبحت بوابتهم الأساسية للعودة إلى السلطة. وإيران تبحث عن توسيع نفوذها في البحر الأحمر. وتركيا تسعى إلى تثبيت حضور اقتصادي واستراتيجي طويل الأمد. وروسيا والصين تتحركان وفق حساباتهما الخاصة. أما واشنطن فتحاول منع تحول السودان إلى منصة تهدد مصالحها الإقليمية دون الانجرار إلى حرب مباشرة جديدة.
وسط كل ذلك، يبقى السودانيون الطرف الأقل قدرة على التأثير في هذه المعادلة والأكثر دفعاً لثمنها.
الحرب التي بدأت باعتبارها صراعاً على السلطة تحولت إلى اقتصاد للحرب، ثم إلى شبكة مصالح إقليمية، ثم إلى ملف مرتبط بأمن البحر الأحمر.
ولهذا فإن استمرارها لا يعني فقط سقوط المزيد من الضحايا، بل يعني أيضاً ترسيخ نفوذ القوى الخارجية داخل السودان.
السودان لا يتجه بالضرورة نحو حسم عسكري قريب، بل نحو مرحلة أكثر تعقيداً: استنزاف اقتصادي، جمود عسكري، انتشار للسلاح، وتنافس إقليمي على النفوذ.
واشنطن لا تملك العصا السحرية لإنهاء الحرب، لكنها تملك القدرة على جعل استمرارها أكثر تكلفة. والعقوبات وحظر الأسلحة والضغط الدبلوماسي قد لا توقف القتال مباشرة، لكنها يمكن أن تقلل تدريجياً قدرة الأطراف على تمويل حرب مفتوحة.
وفي المقابل، كلما طال أمد الحرب، أصبح خطر تحول السودان إلى ساحة نفوذ إقليمية أكبر.
وهنا تكمن المفارقة: الأطراف التي تعتقد أنها تستطيع استخدام الدعم الخارجي لتحقيق النصر قد تجد نفسها في النهاية وقد فقدت جزءاً من استقلال القرار السوداني نفسه.
السودان لا يحتاج إلى استبدال نفوذ داخلي بنفوذ إيراني أو تركي أو غيره. ما يحتاجه هو استعادة الدولة، وإنهاء احتكار السلاح للسياسة، وإعادة بناء مؤسسة عسكرية مهنية لا تكون أداة لحزب أو حركة أيديولوجية.
فإذا استمرت الحرب، لن تكون الخسارة فقط في الأرض أو الأرواح أو الاقتصاد.
الخسارة الأكبر ستكون أن يتحول السودان من دولة تملك موقعاً استراتيجياً على البحر الأحمر إلى ساحة تتصارع عليها القوى الإقليمية والدولية، بينما يدفع السودانيون وحدهم ثمن هذا الصراع.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.