ليست القضية إنقاذ الحوار… القضية إنقاذ السودانيين
هناك حقيقة واحدة يجب ألا نسمح لأي خطاب سياسي أن يطمسها ولا حتى الإعلاميات والإعلامين المطاليق
القضية الوحيدة الآن هي إيقاف الحرب.
ليس الحوار من أجل الحوار، ولا التسويات التي تُبنى فوق جثث السودانيين وإطالة عذابات المهاجر والرحيل، ولا إعادة تدوير النخب، ولا البحث عن مسميات جديدة للأزمة، ولا تزيين المشهد بكلمات كبيرة مثل «السلام» و«الأمن» و«الاستقرار» و«إنقاذ الوطن».
كل هذه الكلمات سامية في معناها.
لكنها تصبح خطيرة عندما تُستخدم لتغطية شيء آخر.
فالسلام الذي لا يبدأ بإيقاف الحرب يتحول إلى كلام عن السلام.
والأمن الذي لا يوقف قتل المدنيين يتحول إلى شعار.
والحوار الذي لا يضغط باتجاه وقف إطلاق النار يمكن أن يتحول، من حيث ندري أو لا ندري، إلى إدارة للزمن بينما تستمر الحرب.
وهنا تحديدًا تكمن المشكلة.
لقد جرى إغراق زمن الخوف السوداني في سؤال آخر:
«الحوار السوداني ـ السوداني».
وكأن المشكلة التي يعيشها السودانيون اليوم هي أنهم لم يجلسوا بما يكفي حول طاولة الحوار.
يا سادة، السودانيون لا يحتاجون الآن إلى اكتشاف أنهم سودانيون.
السوداني الذي نزح من منزله يعرف أنه سوداني.
والأم التي فقدت ابنها تعرف أنها سودانية.
والطفل الذي خرج من مدينته تحت القصف لا يحتاج إلى مؤتمر ليكتشف معنى الوطن.
والجائع والنازح والمفقود والمغتصَب ومن فقد بيته وعمله وأرضه لا ينتظر ورقة سياسية جديدة تقول له إن الحوار السوداني مهم.
هو يريد أن تتوقف الحرب.
هذه هي نقطة البداية.
وما عداها يأتي بعد ذلك.
لا تسمّموا الكلمات النبيلة
نحن لا نعترض على الحوار.
ولا نعترض على السلام.
ولا نعترض على المصالحة.
ولا نعترض على إنقاذ الدولة.
ولا نعترض على أي جهد سوداني صادق يريد إخراج البلاد من هذه الكارثة.
لكننا نعترض على شيء أخطر:
أن تتحول الكلمات النبيلة إلى غطاء سياسي لمسار لا يضع وقف الحرب في مركزه الفعلي.
لقد أصبح السودان بارعًا في صناعة الكلمات التي تؤجل مواجهة الحقيقة.
مرةً نقول «الاستقرار».
ومرةً «الحوار».
ومرةً «المصالحة».
ومرةً «العملية السياسية».
ومرةً «المسار الوطني».
ومرةً «التوافق».
ثم نكتشف في النهاية أن الحرب ما زالت مستمرة.
وهنا يجب أن نسأل السؤال البسيط الذي لا يحتاج إلى مؤتمر:
هل أوقف هذا المسار الحرب أم لا؟
إذا كانت الإجابة لا، فعلينا ألا نخاف من قول ذلك.
عبودية الخوف
لقد وصل السوداني إلى مرحلة أكثر قسوة من مجرد الخوف.
في السابق كان يمكن أن يقال للمواطن:
تنازل عن بعض حريتك وسأمنحك الأمن.
أما اليوم فقد انهارت هذه الصفقة نفسها.
فالخوف لم يعد مقابل الأمن.
الخوف أصبح هو الواقع نفسه.
المواطن يخاف من الحرب، ويخاف من القتل، ويخاف من النزوح، ويخاف على أسرته، ويخاف من الجوع، ويخاف من المستقبل.
ثم يأتي من يقول له:
اصبر.
تحمل.
لا تزعج المشهد.
دعونا نتحاور.
لكن المواطن يسأل:
أتحاور وأنا أموت؟
أي معنى يبقى للحديث عن الأمن إذا أصبح الموت جزءًا من الحياة اليومية؟
وأي معنى يبقى للحديث عن حماية المواطن إذا كان المواطن نفسه هو الحلقة الأضعف في هذه الحرب؟
لهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث الآن هو أن يتحول الخوف إلى أداة سياسية.
أن يُقال للسوداني:
اختر هذا المسار لأن البديل أسوأ.
وهكذا تتحول الحرية إلى رفاهية، والسلام إلى وعد مؤجل، والحياة نفسها إلى امتياز تمنحه السلطة متى شاءت.
وهذه ليست دولة تحمي مواطنيها.
هذه دولة تجعل المواطن رهينة للخوف.
المركب يغرق
والسودانيون ليسوا أغبياء.
هم يراقبون.
ويرون فرفرة المركب.
ويرون كيف تتساقط الأسماء.
ويرون كيف يصبح السؤال عن المشاركة في المسار نفسه أكثر أهمية من السؤال عن الحرب التي يفترض أن ينتهي بسببها المسار.
ولا ينبغي أن ننتظر إعلان خروج آخر اسم حتى نفهم أن المشكلة ليست في اسم واحد.
المشكلة في المركب نفسه إذا كان يمضي في اتجاه لا يوقف الحرب.
حتى أصحاب الأسماء الكبيرة والتاريخ المحترم لا ينبغي أن يصبحوا ستارًا سياسيًا لأي مسار.
الاسم الكبير لا يمنح المسار شرعية تلقائية.
والتاريخ الأكاديمي أو الاجتماعي لا يجعل المشاركة صحيحة بالضرورة.
المعيار الوحيد هو النتيجة.
هل نحن أقرب إلى وقف الحرب؟
هل انخفض قتل المدنيين؟
هل توقفت العمليات العسكرية؟
هل عاد النازحون؟
هل فتحت الطرق أمام المساعدات؟
هل بدأت ترتيبات أمنية حقيقية؟
هل أصبح السودانيون أقرب إلى دولة مدنية آمنة؟
إذا لم يحدث شيء من ذلك، فما قيمة كل هذه العناوين؟
لا نريد إنقاذ المسميات
السودان لا يحتاج الآن إلى إنقاذ «الحوار».
السودان يحتاج إلى إنقاذ الإنسان.
ولا نريد إنقاذ صورة أي لجنة.
ولا إنقاذ سمعة أي مبادرة.
ولا إنقاذ أي طرف سياسي من مأزقه.
ولا إنقاذ أي نخبة من سؤال التاريخ.
نريد إنقاذ السودان من الحرب.
ومن هنا يجب أن يصبح وقف الحرب هو الاختبار الذي تُقاس به كل المبادرات.
أي مبادرة لا تجعل وقف الحرب نقطة البداية يجب أن تُسأل:
لماذا؟
وأي حوار لا يرتبط بإجراءات حقيقية وقابلة للقياس لوقف القتال يجب أن يُسأل:
إلى أين؟
وأي مسار سياسي يبدأ بتوزيع المواقع قبل وقف الموت يجب أن يُسأل:
لصالح من؟
لا نحتاج إلى قفزة من المركب
ولهذا لا أظن أن المسألة يجب أن تتحول إلى انتظار إعلان انسحاب شخصية هنا أو شخصية هناك.
حتى لو خرج اسم كبير غدًا، فذلك لا يحل المشكلة.
المركب الذي يغرق لا يحتاج إلى مراقبة من قفز منه أولًا.
يحتاج إلى أن يقال بوضوح:
هذا المركب يغرق.
والأهم:
إلى أين يتجه السودانيون بعد ذلك؟
نحن لا نريد أن نستبدل حوارًا بحوار.
ولا لجنة بلجنة.
ولا نخبة بنخبة.
ولا مؤتمرًا بمؤتمر.
نريد أن نضع القضية في مكانها الصحيح:
أوقفوا الحرب أولًا.
بعدها يمكن للسودانيين أن يجلسوا ويتحاوروا حول شكل الدولة، والدستور، والجيش، والاقتصاد، والعدالة، وتقاسم السلطة، وعلاقة المركز بالأقاليم، وكل الأسئلة الكبرى التي صنعت الأزمة.
لكن لا يمكن أن نطلب من بلد ينزف أن يبدأ أولًا في مناقشة شكل مستقبله بينما القتل مستمر.
الشعب ليس جمهورًا في مسرح سياسي
وهنا نعود إلى الحقيقة التي يجب ألا تغيب:
الشعب السوداني ليس جمهورًا لمشهد سياسي.
ليس مطلوبًا منه أن يصفق للمبادرات.
ولا أن يمنح شرعية مجانية للأسماء.
ولا أن يقتنع بأن مجرد اجتماع السودانيين حول طاولة يعني أن السودان يتحرك نحو السلام.
الشعب هو صاحب المصلحة الأولى.
وإذا كان هذا الشعب يقول:
أوقفوا الحرب.
فلا يجوز أن تأتي النخب لتقول له:
انتظروا، لدينا حوار.
لا.
الحوار الحقيقي يجب أن يخدم وقف الحرب، لا أن يصبح بديلًا عنه.
السؤال الذي سيبقى
قد تختلف القوى السياسية.
وقد تختلف النخب.
وقد تختلف الرؤى حول الدولة.
وقد يختلف الناس حول الجيش والدعم السريع والحركات المسلحة.
لكن هناك سؤالًا واحدًا لا ينبغي أن نختلف حوله:
كيف نوقف الحرب؟
هذا هو السؤال.
وليس:
من يجلس؟
ومن يشارك؟
ومن ينسحب؟
ومن يرأس؟
ومن يمثل؟
ومن يملك الشرعية؟
كل ذلك يأتي بعد السؤال الأول.
أوقفوا الحرب.
ثم افتحوا كل الملفات.
ثم حاسبوا كل من ارتكب جريمة.
ثم أعيدوا بناء الدولة.
ثم ناقشوا مستقبل السودان.
لكن لا تسمحوا بتحويل المأساة السودانية إلى موسم جديد من المؤتمرات واللجان والبيانات بينما يواصل الموت عمله.
لقد طال زمن الخوف.
وطال زمن الانتظار.
وطال زمن الكلمات.
والسودان لا يحتاج إلى كلمة جديدة.
يحتاج إلى فعل واحد واضح:
إيقاف الحرب.
وما لم يكن أي مسار قادرًا على الاقتراب من هذه الغاية، فعلينا أن نملك شجاعة السؤال:
هل نحن أمام طريق إلى السلام، أم أمام طريقة جديدة لإدارة الحرب؟
من كتاب السودمقراطية
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.