العطا اختصرها في جملة.. كل هذا الخراب من أجل كرسي الحكم

بقلم: فاطمة علي سعيد

منذ تأسيس الجيش السوداني، ظلّت الانقلابات العسكرية والسطو على السلطة والتدخل في الحياة السياسية جزءاً من تاريخ العلاقة بين المؤسسة العسكرية والحكم. لكن ما يحدث اليوم يتجاوز مجرد انقلاب على نظام سياسي.

 

تصريحات ياسر العطا كشفت، في جملة واحدة، جوهر المعضلة: الكرسي أولاً، والوطن يأتي بعده. وما قاله مجرد تصريحات عسكرية وإعادة تدوير لخطاب الحرب نفسه: اتهامات وتهديدات ووعود بالحسم، ثم حديث عن المؤامرات والتدخلات الخارجية، وكأن السودان لا يزال في حاجة إلى معركة جديدة، لا إلى مخرج من الحرب. واختزال فاضح لمعنى السلطة عندما تتحول إلى غاية.

 

عندما يقول العطا إن الجيش لا يريد الحكم، لكنه في الوقت نفسه يقول إن المؤسسة العسكرية ستدفع باتجاه بقاء البرهان على رأس الدولة لعدة دورات، بحجة حماية البلاد وتقوية الأحزاب، ويتحدث عن أن الجيش «سيجبر» البرهان على البقاء.

 

وهنا تسقط الأقنعة أمام سؤال بسيط:

 

إذا كان الجيش لا يريد الحكم، فلماذا يريد أن يحدد من يحكم، وكم سنة يحكم، ومتى تصبح الأحزاب مؤهلة للحكم؟

 

هذه ديمقراطية تحت حراسة الدبابات والبندقية. أن تذهب إلى صناديق الاقتراع، ثم تظل قمة الدولة محجوزة للمؤسسة العسكرية لثلاث أو أربع دورات، يعني أن الانتخابات قد تغير الحكومة، لكنها لا تغير مركز القوة الحقيقي.

 

الأحزاب تنتخب، والبرلمان يتشكل، والحكومة تدير الجهاز التنفيذي، بينما يبقى القائد العام فوق الجميع رئيساً للدولة.

 

فما الذي تغير إذن؟

 

وهنا المشكلة ليست في شخص البرهان وحده، بل في العقلية التي ترى أن السودان لا يستطيع أن يحكم نفسه من دون وصاية عسكرية. وفي كل مرة تتقدم الرواية العسكرية خطوة، ويتراجع السودان خطوات.

 

وكفى هروباً من أصل الأزمة.. العسكر أنفسهم جزء من المشكلة.

 

كلما سأل السودانيون عن السلام، جاءهم الحديث عن الحرب.

 

كلما سألوا عن الديمقراطية، جاءهم الحديث عن ضعف الأحزاب.

 

كلما طالبوا بعودة الجيش إلى الثكنات، قيل إن الظروف لا تسمح.

 

كلما تحدثوا عن التحقيق، قيل إنها مؤامرة.

 

وهكذا يصبح الاستثناء دائماً، ويصبح الحكم العسكري مؤقتاً بلا نهاية. ويتحول الحكم العسكري المؤقت إلى مشروع طويل الأمد.

 

الدولة المدنية، طريقها واضح: جيش قومي مهني، خارج التنافس الحزبي، وسلطة مدنية منتخبة، ومؤسسات دستورية مستقلة، وصندوق اقتراع يستطيع أن يغيّر الحاكم فعلاً.

 

أما أن يقول العسكريون إنهم لا يريدون السلطة، ثم يحددون من يجب أن يبقى في رأسها، فهذا تناقض لا يحتاج إلى كثير من الشرح… كفى مراوغة.

 

السودان ظل يدور في الحلقة نفسها: انقلاب، حكم عسكري، انتفاضة، انتقال مدني، ثم انقلاب جديد.

 

حتى بقية تصريحات العطا لا تخرج كثيراً عن قاموس الحرب: دارفور أولوية، جبهات جديدة، حديث عن تحرير المدن، اتهامات لإثيوبيا ومطار أصوصا، واتهامات متبادلة بشأن السلاح الكيميائي.

 

هذه الملفات كلها تستحق التحقيق عندما يتعلق الأمر بادعاءات محددة، لكن المواطن السوداني يريد إجابة عن سؤال: متى تنتهي الحرب؟

 

الحرب التي دخلت عامها الرابع لم تعد مجرد معركة بين قوتين مسلحتين، إنها كارثة وطنية أكلت الاقتصاد والمجتمع ومؤسسات الدولة، وأنتجت ملايين النازحين واللاجئين والمشردين. وأجيال كاملة دفعت ثمن حرب لم تخترها.

 

ولهذا فإن أخطر ما يمكن فعله الآن هو إعادة إنتاج الأسباب نفسها التي أوصلت البلاد إلى الكارثة.

 

ومن يظن أن انتصار طرف عسكري وحده يعالج أزمة السودان، فهو يتجاهل جذور الأزمة.

 

والحديث عن أن دارفور هي «أولوية المرحلة»، وأن فتح جبهة النيل الأزرق هدفه عرقلة التقدم نحوها، يكشف استمرار التفكير بعقلية الجبهات العسكرية. ودارفور ليست خريطة عمليات. والفاشر ليست فقط مدينة يجب السيطرة عليها، ولا نيالا والجنينة ليستا نقاطاً على خارطة عسكرية.

 

هناك ملايين المدنيين الذين يريدون الأمن والغذاء والدواء والعودة إلى بيوتهم.

 

تحرير الأرض من دون تحرير الإنسان من الخوف والجوع والنزوح ليس نصراً كاملاً.

 

أما ملف الأسلحة الكيميائية، فهنا لا مكان للدعاية من أي طرف. إن كانت المزاعم كاذبة كما يقول العطا، فليكن ذلك عبر تحقيق دولي مستقل.

 

ولماذا الخوف من الخبراء إذا كانت الحقيقة في صالح الجميع؟ والكيماوي لا يثبت بالهتاف، ولا يُنفى بالتصريح.

 

يثبته المختصون والأدلة والتحقيقات.

 

لذلك، بدلاً عن تبادل الاتهامات، افتحوا الباب للجنة مستقلة، واتركوا العلم والقانون يقولان كلمتهما، فالحسم فيه ليس عبر التصريحات الارتجالية في المنابر ولا الحملات الإعلامية. ولذا، فالترحيب بلجنة تحقيق دولية ينبغي أن يتحول إلى موقف عملي، لا مجرد عبارة في مقابلة صحفية.

 

ومن يريد الديمقراطية فليقبل بنتائجها، لا أن يضع فوق صندوق الاقتراع وصياً يحمل رتبة عسكرية.

 

أما الحديث عن اعتقال عشرات الآلاف من الشباب، وعن أن شقيقه العطا ليس أعز أو أكرم من بقية الضحايا، نعم، لا أحد فوق الألم السوداني، لكن هذه القاعدة يجب أن تطبق على الجميع. لا يجوز أن يكون الضحية مهماً عندما يكون قريباً من مسؤول، ثم يتحول إلى رقم عندما يكون مواطناً عادياً.

 

كل الدم السوداني حرام. وكل ضحية لها أم وأب وأبناء وأحلام.

 

والمطلوب تحقيق مستقل، وعدالة حقيقية، ومحاسبة لكل من ارتكب جريمة، أياً كان الطرف الذي ينتمي إليه. وليس مزيداً من الخطابات والمزايدة عن الضحايا.

 

ملف القاعدة الروسية على البحر الأحمر ليكشف وجهاً آخر من الأزمة.

 

السودان في حالة حرب، ومؤسساته التشريعية غائبة، ومع ذلك تُطرح اتفاقات تمس موقعه الاستراتيجي وسيادته وموانئه.

 

من أعطى أي جهة حق التفاوض على مستقبل السودان الاستراتيجي باسم شعب لم يُستشر؟

 

السودان ليس ثكنة عسكرية، وليس ورقة تفاوض في صراع القوى الدولية.

 

وأي اتفاق يتعلق بقاعدة عسكرية أجنبية يجب أن يخضع للدستور والقانون والرقابة المؤسسية، لا لمنطق الأمر الواقع.

 

لقد آن الأوان أن يتوقف السودان عن الدوران حول سؤال: من يحكم؟

 

أما الذين أشعلوا الحرب، أو شاركوا في صناعة بيئتها السياسية والعسكرية، فلا يمكن أن يكونوا حكاماً على نتائجها أو أوصياء على مستقبل البلاد.

 

لقد جرب السودان حكم البندقية بما يكفي.

 

والنتيجة مدن مدمرة، اقتصاد منهار، ملايين نازحين، أسر مفجوعة، ومستقبل أجيال كاملة معلّق بين جبهة وأخرى.

 

فماذا بقي بعد كل هذا إلا الاعتراف بالفشل؟

 

لا نريد «حسماً» جديداً. نريد أن تتوقف الحرب.

 

لا نريد جنرالاً يحكم باسم إنقاذ الدولة. نريد دولة تحكمها المؤسسات.

 

لا نريد مزيداً من المراوغة. نريد الحقيقة.

 

ولا نريد أن يرث أبناؤنا حرباً صنعها الكبار.

 

السودان ليس مشروعاً للجنرالات.

 

والسلطة ليست غنيمة للحركات والأحزاب.

 

والدولة ليست ملكاً للسلاح.

 

كفى عبثاً بمصير وطن كامل.

 

كفى خطاباً ارتجالياً.

 

كفى مراوغة.

 

كفى حرباً.

 

لا للحرب.. نعم للسلام.

 

ولا حل عسكرياً لأزمة السودان.

 

لا للحرب.. لا للانقلابات.. نعم لدولة مدنية ديمقراطية، يكون فيها الشعب هو صاحب الكلمة الأخيرة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.