التدهور الاقتصادي في السودان من هو المسؤول؟ ومن كبش الفداء؟

بقلم: د.مصطفى الجميل

«أحقر الناس من ازدهرت أحوالهم يوم جاعت أوطانهم»

لم تكن الحرب عبثية لمن أشعلوها، فقد عرفوا كيف يربحوا منها… أما العبث الحقيقي فهو أن يدفع السودانيون ثمناً لحرب لا يملكون قرارها، ولا يعرفون إلى أين تمضي بهم….

عندما قرأت في عدد من الوسائط الهجمة الشرسة من بعض الأقلام المؤيدة للحرب على وزير المالية، تأكدت أن الالمي خنق القنطور!

وبعض الكتابات عندنا في السودان تشبه خطب يوم الجمعة، تُكتب في الشؤون الدينية ويتم توزيعها لأئمة المساجد وتُقرأ بالحرف علينا!

لا يوجد بين هذه الأقلام من يتجرأ ويكتب أن السبب المباشر للتدهور الاقتصادي هو الحرب!

حيث ترتفع ميزانية الإنفاق العسكري إلى مستويات قياسية، والإنفاق العسكري في السودان لم يعد مرتبطاً بظرف طارئ، بل مرتبط بحرب شرسة امتدت منذ 15 أبريل وحتى اللحظة، وتحول الصرف على الحرب لبند ثابت ومتضخم في البنية الهيكلية للاقتصاد السوداني المتعب والمتهالك دون حرب!

إن اقتصاد الحرب ببساطة شديدة يعني تركيز معظم أموال الدولة وتخصيصها للعمل العسكري، وإيقاف الكثير من البنود، من ضمنها الصرف على بعض المعونات ودعم بعض السلع، وعلى المجموعة المخدوعة بضرورة استمرار الحرب أن تتحمل خطأ تأييدها الأحمق لاستمرار هذه الحرب الملعونة!

عندما كنت مسؤولاً حكومياً ولائياً، جمعنا كحكومة اجتماعاً مع وزير المالية آنذاك، علي محمود، مطالبين ببعض أموال التنمية لولاية غرب دارفور، وأذكر جيداً رد الوزير: … يا ناس، أنا الماسورة بتاعت وزارة المالية دي بفتحها وبتعمل «خخخخ»، فاضية، مافيها شي، امشوا القصر الجمهوري، القروش هناك….

ومن حينها عرفت أن الكثير جداً من الأموال في القصر، وأن وزارة المالية بالفعل حنفية فاضية في كثير من الأحيان.

هل هذه الأقلام التي تريد أن تجعل من وزير المالية وحده كبش فداء أن تحمّل قائد الجيش البرهان مسؤولية التدهور الاقتصادي؟ فهو المسؤول الأول في البلاد! وبيده سلطة إيقاف الحرب! أو استمرارها! ووزير المالية مجرد بيدق في رقعة يتحكم فيها البرهان.

إن تحذيرنا منذ بدء الحرب لم يكن نبوءة، بل قراءة أولية مبكرة لما يحدث مستقبلاً، فحين تصبح الحرب استثماراً طويل الأمد في ذهن بعض القادة، يصبح التدهور الاقتصادي والاجتماعي خسارة محتملة قادمة لا محال.

إن معركتنا مستمرة مع أصحاب فكرة ضرورة الحرب، الذين يرون في الحرب ضرورة لتوسيع جشعهم المالي فقط، ولا ينظرون لكمية المعاناة والنزوح واللجوء والدم.

فالسلام ليس شعاراً بالنسبة لنا، وإنما إيقاف الصرف على الإنفاق العسكري وإعادة توجيه الموارد نحو التنمية والصحة والتعليم وكل الخدمات.

حروب اليوم أكثر تعقيداً، وتتبنى فيها الأطراف تكتيكات وأساليب أكثر مرونة وأنماطاً مختلفة من العنف ضد البنية التحتية وضد الأهداف الحيوية صغيرة الحجم، حتى (محطة وقود – محطة طاقة شمسية – محول كهرباء)، وحروب اليوم هي الأوسع تدميراً والأسوأ أخلاقاً والأقل قيماً.

 

من يتحدثون عن التدهور الاقتصادي عليهم معرفة أن السودان، بالأرقام، فقد أكثر من 80% من صادر الثروة الحيوانية، و90% من صادر الصمغ العربي، و80% من صادر الفول السوداني، ونسبة كبيرة جداً من المحاصيل، وأن حجم الذهب المهرب يعادل عشرة أضعاف حجم الذهب الرسمي، وأن عائد الصادر صفر كبير، وأن معظم المصانع لم تعد تعمل بنصف طاقتها، وأن التجارة البينية الحدودية بين المركز، الخرطوم، ومدن غرب البلاد ذات الاكتظاظ السكاني الكبير وذات الاستهلاك المرتفع من السلع والخدمات، كل هذا متوقف!

 

عليكم العودة للرشد، فالانهيار الاقتصادي الحالي سببه الحرب! والحرب قرار سياسي، وسلطة إيقاف الحرب عند البرهان!

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.