هل قيّد الإسلاميون تحركات الكباشي لتحجيم دوره في تسريع عملية السلام؟

تيسير المبارك

منذ اندلاع الحرب في السودان، لم تقتصر الخلافات داخل معسكري الصراع على الميدان العسكري، بل امتدت إلى تباين الرؤى بشأن كيفية إنهاء الحرب، وهو ما فتح الباب أمام قراءات متعددة حول مواقف بعض القيادات العسكرية، وعلى رأسها عضو مجلس السيادة ومساعد القائد العام للجيش، الفريق أول شمس الدين الكباشي.
وخلال الأشهر الماضية، برز الكباشي في عدد من المناسبات بتصريحات فُكانت الأكثر انفتاحاً تجاه الحلول السياسية مقارنة بخطابات أخرى ركزت على الحسم العسكري. وقد دفع ذلك بعض الأوساط السياسية إلى التساؤل عما إذا كانت هذه المواقف قد أثارت تحفظات داخل تيارات مؤثرة تدعم استمرار النهج العسكري. الجدل مازال يتصاعد حول طبيعة التوازنات بين القيادات العسكرية والقوى السياسية والمدنية المتحالفة معها، إضافة إلى تأثير التيارات الإسلامية التي يتهمها خصومها بمحاولة تعزيز نفوذها داخل مؤسسات الدولة، وهو ما تنفيه تلك التيارات.
الكباشي ظهر في أكثر من محطة باعتباره من الأصوات التي لا تستبعد الحلول التفاوضية متى ما توافرت الظروف المناسبة، بينما يرى آخرون أن تصريحاته جاءت في إطار الموقف الرسمي للجيش ولم تعكس بالضرورة وجود تباين جوهري داخل القيادة. أي مؤسسة عسكرية كبيرة قد تشهد اختلافاً في تقدير المواقف دون أن يعني ذلك وجود انقسام في القرار النهائي.
الإسلاميون… نفوذ أم اتهامات سياسية؟ شخصيات وشبكات محسوبة على الحركة الإسلامية تسعى إلى التأثير في مسار القرار السياسي والعسكري، بما في ذلك دعم الخيارات التي تعطي أولوية لاستمرار العمليات العسكرية. الحديث عن نفوذ الإسلاميين داخل مؤسسات الدولة أصبح جزءاً من السجال السياسي السوداني، وأن الفصل بين الوقائع والتحليلات يظل ضرورياً في ظل غياب المعلومات الرسمية الكاملة.
وجود تيارات متباينة في مقاربة الحرب، فإن ذلك يعكس معضلة أعمق تتعلق بكيفية إنهاء الصراع. فهناك من يرى أن أي تفاوض قبل تحقيق مكاسب ميدانية سيكون تنازلاً سياسياً، بينما يعتبر آخرون أن استمرار الحرب يزيد من الكلفة الإنسانية والاقتصادية ويؤخر فرص الاستقرار.
ويؤكد خبراء في فض النزاعات أن إطالة أمد الحروب غالباً ما تجعل أي تسوية مستقبلية أكثر تعقيداً، وأن بناء توافق داخل مؤسسات الدولة حول مسار السلام يمثل شرطاً أساسياً لنجاح أي عملية تفاوض.
في معركة النفوذ داخل المشهد السياسي، والنقاش الدائر حول دور الكباشي يعكس، في جانب منه، صراعاً أوسع على شكل المرحلة المقبلة، ومن ستكون له الكلمة الأبرز في ترتيبات ما بعد الحرب.
فكلما اقترب الحديث عن تسوية سياسية، ازدادت أهمية موازين النفوذ داخل المؤسسات العسكرية والسياسية، لأن نتائج أي اتفاق لن تحدد فقط مستقبل الحرب، بل أيضاً شكل السلطة وإدارة الدولة في المرحلة الانتقالية.
ما بعد الحرب، يبقى السؤال المطروح: هل توجد بالفعل أطراف تعمل على إضعاف أي مسار يسرّع الوصول إلى السلام، أم أن ما يُتداول يعكس اختلافات طبيعية في تقدير الموقف داخل مؤسسة تواجه واحدة من أعقد الحروب في تاريخ السودان؟
الإجابة النهائية تحتاج إلى معلومات موثقة أكثر مما هو متاح حالياً. لكن المؤكد أن نجاح أي مبادرة للسلام لن يعتمد على مواقف الأفراد وحدهم، بل على قدرة جميع الأطراف على تقديم تنازلات متبادلة، وتغليب منطق التسوية على استمرار المواجهة.
وفي ظل استمرار الحرب، سيظل الجدل حول موازين النفوذ داخل مؤسسات الدولة قائماً، غير أن المعيار الحقيقي لأي قيادة سيبقى في قدرتها على المساهمة في إنهاء النزاع، وتهيئة الطريق نحو سلام مستدام يضع مصلحة السودان فوق حسابات السياسة والتحالفات.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.