كتبتُ مقالاً قلت فيه إنني أرفض إزالة الناس من قروبات الواتساب لمجرد أنهم اختلفوا في الرأي.
فإذا بي، بدلاً من أن أجد نقاشاً حول الفكرة، أجد نفسي متهماً بـ«الكوزنة»!
يا سبحان الله!
يبدو أن بعضنا لم يعد يملك من أدوات الحوار إلا زر الحذف، ومن قاموس السياسة إلا كلمة «كوز»، ومن وسائل تفنيد الرأي أن يقول لصاحبه: أنت بلا إحساس، بلا وطنية، وكلامك يثير الاشمئزاز!
ثم يضغط على «أحذف»!
فيا أخي، اختلف معي… لكن لا تختصر تفكيرك في زر!
لقد كتب أحدهم أنه لم يستطع إكمال مقالي لأنه، في نظره، «لا إحساس ولا وطنية له».
وهنا أقول له: أشكرك على الشهادة!
فأنا أيضاً لم أستطع إكمال كثير من الكلام الذي يُكتب في القروبات، لكنني لم أستنتج من ذلك أن أصحابه بلا إحساس ولا وطنية.
قلت فقط: الرجل اختلف معي.
أما ان تتهمني بـ«الكوزنة»، فهذه قصة أخرى.
معاذ الله أن أكون كوزا!
وكيف أكون كوزاً وأنا الذي كتبت مقالاً بعنوان: «إلا المؤتمر الوطني»؟
هل يحتاج الأمر إلى أكثر من ذلك؟
فهل تريدون مني أن أرفق مع المقال شهادة خلوّ من الكوزنة، مختومة من لجنة إزالة التمكين، وموقعة من شاهدين؟!
وربما تريدون صورة لي وأنا أقف أمام باب المؤتمر الوطني وأقول: «اللهم إني أبرأ إليك مما فعل الكيزان!»، حتى يطمئن قلب القروب!
لا يا سادة.
أنا لا أحتاج إلى أن أُثبت لأحد أنني لست كوزاً.
مواقفي هي التي تتحدث.
والذين يعرفون كتاباتي يعرفون جيداً أين أقف من الإنقاذ، وأين أقف من المؤتمر الوطني، وأين أقف من استغلال الدين في السياسة، وأين أقف من الاستبداد.
لكن يبدو أن بعض الناس يريدون شيئاً أسهل من قراءة المواقف: يريدون ملصقاً على الجبهة!
هذا كوز.
هذا ثوري.
هذا وطني.
هذا خائن.
هذا عميل.
وهكذا تتحول السياسة عندنا إلى روضة أطفال للتصنيف، ويصبح أعظم إنجاز سياسي للمرء أن ينجح في امتحان «من معنا ومن ضدنا».
لكنني، لا بد من أن أقول شيئاً ربما يغضب البعض: نعم، أنا مع إبعاد الكوز من القروب إذا كان القروب قد قرر بوضوح أنه مساحة لمناهضة الكيزان وفكرهم.
بل أكثر من ذلك: أنا شخصياً لا أريد أن أكون في قروب يضم كيزاناً إذا كان وجودهم فيه يعني إعادة إنتاج خطاب الإنقاذ وتبرير الاستبداد أو الدفاع عن جرائمه.
ومن حق أي إنسان أن يقول: «لا أريد كوزاً في قروبي.»
ومن حقه أيضاً أن يقول: «لا أنضم إلى قروب فيه كيزان.»
فهذه ليست مشكلة.
المشكلة أن يتحول الأمر إلى هوس بالكوزنة، فيصبح كل من قال شيئاً لا يعجبنا كوزاً!
حين تقول: «دعونا نتحاور»… كوز!
تقول: «لا تطردوا العضو لمجرد اختلافه»… كوز!
تقول: «ناقشوا الفكرة»…كوز!
تقول: «احترموا حق المختلف في الكلام»… كوز!
فيا جماعة الخير، على هذا المنوال، إذا قلت صباح الخير سيأتيك أحدهم قائلاً: «واضح جداً أنك تمكين!»
وهنا تحديداً يجب أن ننتبه.
الكوز الحقيقي لا يحتاج إلى أن نبحث له عن تهمة.
دعه يتكلم.
دعه يدافع عن الإنقاذ.
دعه يبرر الاستبداد.
دعه يزين القتل والقمع والفساد.
ثم واجه كلامه بالحجة.
أما أن نطرد الناس لأننا نتوقع أنهم كيزان، أو لأنهم لم يصفقوا بالطريقة التي نريدها، أو لأنهم دعوا إلى الحوار، فهذه ليست مقاومة للكوزنة.
هذه مجرد نسخة أخرى من عقلية الإقصاء التي أوصلتنا إلى الكارثة.
والأدهى من ذلك أن بعض من يلعن الاستبداد صباح مساء، يريد أن يمارس استبداداً صغيراً على قروب واتساب!
يريد أن يكون «الحاكم العام» للقروب!
يضغط زر الحذف، فيشعر أنه أمسك بمقاليد الدولة!
يا أخي، أنت انتويت حذفي عضواً من قروب، أما أنا، فلن أرغي ولن أزبد.
ولن أرسل سبع رسائل صوتية لأثبت أنني وطني.
ولن أكتب بياناً من عشر صفحات لأقول: «أنا لست كوزاً».
ومن أراد أن يزيلني من قروبه، فليزلني.
لن أبكي على عضوية قروب.
ولن أطرق باب أحد قائلاً:
«بالله عليكم رجعوني للقروب… أنا وطني!».
أبداً.
فالقروبات ليست أوطاناً، والعضوية ليست شهادة وطنية، والخروج من قروب لا يعني الخروج من الدنيا.
بل ربما يكون الخروج من بعض القروبات رحمة وطنية!
لكنني سأحتفظ بحقي في أن أقول: أنا أرفض الكوزنة، ولا أتعاطف مع الكوز، ولا أدافع عن الإنقاذ، ولا أجد مبرراً للاستبداد.
وفي الوقت نفسه أرفض أن يصبح «الكوز» فزاعة جاهزة لإسكات كل رأي لا يطابق رأينا.
فلقد عانى السودان طويلاً من عقلية: إما معنا… أو ضدنا.
والغريب أننا، بعد كل الذي حدث، ما زلنا نعيد إنتاجها في أصغر مساحة اجتماعية ممكنة!
خرجنا من بيوت الأشباح، فإذا بنا نريد أن نبني بيوت أشباح رقمية داخل الواتساب!
خرجنا من دولة الصوت الواحد، فإذا بنا نريد قروباً بصوت واحد!
هربنا من «نحن أو لا أحد»، فإذا بنا نعيدها في صورة: «إما أن توافقني… أو سأحذفك.»
وهنا أقولها بوضوح: هذه ليست جمهورية جديدة.
هذه مجرد إنقاذ مصغّرة، بمدير قروب بدلاً من رئيس جمهورية!
ولذلك، يا من اتهمتموني بالكوزنة: لا أطلب منكم اعتذاراً.
ولا أطلب أن تعيدوني إلى قروب عندما تحذفوني.
ولا أطلب حتى أن تكملوا قراءة مقالاتي.
اقرؤوا ما شئتم، واتركوا ما شئتم، واحذفوني إن شئتم.
لكن لا تجعلوا غضبكم دليلاً، ولا تجعلوا الاشمئزاز حجة، ولا تجعلوا زر الحذف بديلاً عن العقل.
وأنا سأظل أكتب.
سأكتب ضد الكوزنة.
وسأكتب ضد الاستبداد.
وسأكتب ضد تحويل الدين إلى مطية للسلطة.
وسأكتب ضد الحرب.
وسأكتب ضد الذين يتاجرون بدم السودانيين.
وسأكتب أيضاً ضد عقلية الإقصاء، ولو جاءتني هذه العقلية من الطرف الذي أتفق معه سياسياً.
لأن الحرية التي نريدها للسودان لا يمكن أن تكون حرية لنا وحدنا.
إما أن تكون حرية للجميع، أو أنها ليست حرية.
شعاري «الحرية لنا ولسوانا»..
الخاتمة:
لا تجعلوا الثورة كوزنةً معكوسة…
لقد دفع هذا البلد ثمناً باهظاً من الدم لأن كل جماعة أرادت أن تجعل نفسها مالكة للحقيقة، وحارسة للوطن، وموزعة لصكوك الوطنية.
فلا تعيدوا إنتاج المرض نفسه بأسماء جديدة.
الكوز لا يُحارب بالحذف وحده، وإنما تُحارب الكوزنة بالفكرة، وبالوعي، وبالديمقراطية، وبالحرية التي لا تخاف من السؤال.
ومن أراد أن يمنع الكوز من قروبه، فله ذلك.
ومن أراد ألا يدخل قروباً فيه كيزان، فله ذلك.
أما أن يصبح كل مخالف لك كوزاً، وكل ناقد لك خائناً، وكل من دعا للحوار بلا إحساس ولا وطنية، فهذه ليست ثورة.
هذه كوزنةٌ معكوسة، والكوزنة المعكوسة لا تبني وطناً.
أما أنا…
فإن أخرجتموني من القروب، خرجت.
وإن أبقيتموني، بقيت.
وإن غضبتم من كلامي، غضبتم.
لكنني لن أبيع عقلي كي أشتري عضوية قروب.
ولن أعتذر عن رأي أؤمن به حتى أرضي غضباً عابراً.
ولن أستبدل موقفي السياسي بتهمة تلصقونها بي.
فأنا لست كوزاً… ولا أحتاج إلى أن أكون كوزاً حتى أقول لكم: إن الإقصاء ليس ديمقراطية، وإن التخوين ليس حجة، وإن الصراخ ليس وطنية.
والسودان الذي نحلم به لن يولد يوم ننجح في حذف آخر مخالف لنا من آخر قروب واتساب.
السودان الجديد سيولد يوم يصبح اختلافنا في الرأي أقل خطراً من اتفاقنا على الاستبداد.
فاحذفوني من القروب إن شئتم… لكن لا تحذفوا عقولكم.
وأخرجوني من المجموعة إن أردتم… لكن لا تُخرجوا السودان من حلم الحرية.
فقد آن لهذا الشعب أن يتعلم أخيراً: أن الوطن لا يُدار بزر «الحذف»… وأن الثورة التي تخاف من صوت مخالف ليست ثورة، وأن الحرية التي لا تتسع إلا لمن يشبهوننا ليست حرية، وإنما استبدادٌ صغير ينتظر أن يكبر.
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.